تتحرك السياسة الأمريكية في الوقت الراهن مثل وحش جريح. ومن وجهة نظر البعض أن دعوات التعقل وعدم التصرف تحت ضغط الأزمة، لن تجد آذانا مصغية في واشنطن. ففي أجواء مشحونة بالانفعال، ليس لأحد أن يتوقع صدور قرارات محسوبة بدقة كمبيوترية، كالتي تتخذ في أوقات الرخاء والدعة. يميل هذا التفكير الى المنهجية الذرائعية التبريرية لما يمكن أن تذهب اليه واشنطن من اجراءات خارقة للعقلانية والتدبر السياسي الحكيم، غير أن منهجية كهذه، لا تكفي للاقتناع بالخطاب الأمريكي شبه العشوائي الذي استتبع أزمة الثلاثاء الدامي هناك. وحجتنا في ذلك، أن فقه العلاقات الدولية وخبرات التعامل الدولي، لم يفترضا أن يتعاطى صانع القرار مع الفواعل الدوليين في الأجواء والظروف المواتية فقط، بل ان هذا الفقه لم يتطور ويرتقي سوى لأجل تسهيل مهمة اتخاذ القرارات في اطار البيئة غير المواتية، بيئة الأزمات والمفاجآت غير المتوقعة. مؤشرات الانحراف الأمريكي عن التفكير الهادئ، الذي يتحسب للعواقب بمعزل عن شحنة العواطف الحزينة، كثيرة منها: نزعة توجيه الاتهام الى العرب والمسلمين بما قد يفضي الى فتنة عرقية ودينية داخل الولايات المتحدة وخارجها. ومنها، اعلان التعبئة العامة ثم اعلان الحرب على الارهاب الدولي، وهو ظاهرة عامة سائلة ليس لها عنوان ولا حتى تعريف متفق عليه. ومنها، النداء الأمريكي الى إنشاء تحالف دولي ضد هذا العدو غير المحدد؟ واذا كان الطرف الأولى المقترح هو أفغانستان طالبان، فهل يقتضي الأمر كل هذا الحشد.. أم أن وراء الأكمة أهداف أخرى غير معلنة؟ لقد أعلن كل من له صلة بالعمل العام، محليا واقليميا ودوليا، على الصعيد العالمي، تعاطفه مع الأحزان الأمريكية، وندد الجميع بأحداث الثلاثاء الأسود الأمريكي (بما في ذلك أفغانستان وأسامة بن لادن!) لكن هذه المشاركة المعنوية، لا تمنح واشنطن شيكا على بياض للتصرف الدولي، عسكريا أو سياسيا، بعيدا عن أي وازع شرعي.. فقد شفع الكثيرون تعاطفهم بالرغبة في أن لا يكون الغضب الأمريكي سبيلا الى اهدار القانون.. وأعلن بعض حلفاء واشنطن التقليديين، بما في ذلك حكومات أوروبية، أنهم لا يميلون الى اطلاق الاتهامات بلا براهين ضد أي طرف كان، كما أن صورة التحالف المرغوب فيه، ينبغي أن تكون واضحة من حيث الهدف وأساليب الانتقام والتصدي للارهاب، وحدود الحركة ومدى اتساقها مع الشرعية الدولية في هذا الاطار. لنا وللكثيرين في كل حال، أن نتشكك في صحة الاتجاه الأمريكي لمعالجة الأزمة. فواشنطن المستهدفة بسبب سياسات معينة، وكذا بحكم ضلوعها في قضايا لا حصر لها في جهات الدنيا الأربع، تريد عولمة اشتباكها مع ما تدعوه ارهابا دوليا. هذا في حين أن مفهوم الارهاب ذاته غير محدد، لا محليا ولا دوليا، وفي عام 1972 أنشأت الأمم المتحدة لجنة معنية بتعريف الارهاب، لكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف حتى يومنا هذا. ولعل واشنطن تذكر الآن كيف أن مقاربتها الخاصة جدا، التي تخلط بين الارهاب والمقاومة المشروعة، كانت مطولا السبب في هذا الفشل داخل الأمم المتحدة وخارجها. مؤدى ذلك، أو فورة الغضب الأمريكي من جهة، واحتمال وجود أجندة أمريكية خفية لحملتها الاعلامية السياسية العسكرية، في اليوم التالي للثلاثاء الدامي من جهة أخرى، تدعونا للحذر من مغبة الاصطفاف الدولي العاطفي خلف واشنطن. وبالنسبة لعالمنا العربي خاصة، تتصاعد موجبات الحذر وهواجسه. فالأطراف المعنية بالاتهام الأمريكي، الذي يغذيه التحريض الصهيوني، هي أقرب الى هذا العالم بالمفهومين القومي والديني. وفي حمأة هذه الحملة الأمريكية التي يراد تدويلها، كي تصبح هموم واشنطن هي هموم الدنيا كلها، قد تتسع قائمة المهتمين والمطلوبين الى أن تتعرض لقوى عربية لها أهداف تحررية. في حالة كهذه، ربما أدى التناغم من بعض الدول العربية وراء المفهوم الأمريكي المحموم لمواجهة الارهاب، الى نوع من الخلافات العربية الداخلية، بين نظم وشعوبها أو حتى بين بعض الدول العربية على المستوى الرسمي. ثم إن السعي خلف عدو غير معلوم القسمات والهوية، ربما قاد الى صرف الأنظار عن الارهابي الأول في عالمنا المعاصر.. الدولة الصهيونية. إن الدعوة الى تفهم الجرح الأمريكي، لا يتعين لها أن تتجاهل ما يمكن أن يتأتى عن معالجة هذا الجرح من عواقب تثير جراحا أوسع بكثير في عوالم الآخرين. ولعله من الحكمة بمكان أن نراعي ونحن في معرض تحليل السلوك الأمريكي، عدم الانجرار الى مربعات ودوائر الخطر، التي ينطوي عليها هذا السلوك. واذا كان للهياج الأمريكي مقتضياته، فإن الآخرين، والعرب منهم، غير مطالبين باتخاذ قراراتهم وكأنهم يعيشون هذه الحالة ذاتها. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة