الدعوة الامريكية لإقامة تحالف ضد الارهاب جاء كنتيجة مباشرة على العمليات الانتحارية ضد واشنطن ونيويورك، ولكن التحرك السريع لهذه الدعوة الذي بدأ بمحاولة الولايات المتحدة تفعيل البند الخامس من وثيقة الناتو جاء كمحاولة لاقتناص الانفعال الاوروبي المباشر، الذي اعلن تضامنه مع الحدث الامريكي ضد الارهاب وعلى ايقاع هذه التطورات الدراماتيكية المتسارعة فإن تحالفا ضد الارهاب هو واقعيا احياء تحالفات عسكرية جديدة لا تقتصر مهماتها على مهمات الناتو قبل الثلاثاء الامريكي بل تتعداه لمواقف سياسية جديدة كانت مدفونة تحت الرماد او في قمقم تنتظر الولايات المتحدة لحظة الصفر لفتحه تجاه خصومها التقليديين وهذا ما لاحظناه في سرعة طرح المشروع وقبل الانتهاء من التحقيقات وتأكيد الاتهامات لجهة بعينها مما يفرض على المرء اعادة التفكير بالأسلوب الجديد الذي تود الولايات المتحدة الامريكية استخدامه بطريقة مباشرة سواء من خلال تفعيل المادة الخامسة من وثيقة الناتو او من خلال ضم دول اخرى تتحالف مع الولايات المتحدة ضد الارهاب وهذا بالتأكيد سيلغي كل الألوان في التعامل السياسي ليفرض على العالم تعاملين بالابيض او الاسود استنادا على تصريحات وزير الخارجية الامريكي كولن باول الذي دعا الى التحالف وإعلان جميع دول العالم موقفها الصريح منه خاصة تلك الدول التي كانت تنظر اليها الولايات المتحدة بعين الاتهام وبدأت الآن تسعى لاتهامها بشكل مباشر. صدام تحالفي تنام في ادراج الناتو منذ سنوات قليلة اوراق مشروع تشكيل قوة تدخل عسكرية سريعة لحل الازمات في الدول العربية تحديدا او الشرق الاوسط بشكل عام، مما يجعلنا نقف على التحالف الامريكي العالمي ضد الارهاب موقف المتسائلين عن مدى تأثيره عربيا وربط هذا التأثير بالموقف الاوروبي. وصراعه مع الولايات المتحدة خاصة فيما يتعلق بمسألة العولمة من جهة ومسألة صراع الحضارات التي انطلقت من الولايات المتحدة كعملية شرطية لاقامة تحالفات جديدة تنتظر المستقبل وتستعجله في الصراع المقبل مع الشرق عموما والاسلام بشكل خاص اعتمادا على نظرية صموئيل هنتنجتون التي روجتها الولايات المتحدة واستقبلتها اوروبا كحالة احتياطية عند شعورها بالخطر الذي قد يهددها ليس من العرب والمسلمين فقط بل من الولايات المتحدة ذاتها التي كانت قبل احداث واشنطن ونيويورك تسعى الى العولمة الاقتصادية. لقد تدخل صموئيل هنتنجتون في تصارعه الحضاري بحلف الناتو بالذات ورغم ان الافكار التي طرحها تدخل في مجال الفكر السياسي الا انها لا تتوانى للتدخل في الشأن العسكري متمثلا بالناتو واذا كان هنتنجتون قد طرح تلك الافكار مع انهيار الاتحاد السوفييتي فإنه يدعو الى تقوية الاطلسي بالحمى الحضارية التي اجتاحت الولايات المتحدة في تلك الفترة، فمن المعروف نظريا ان الانهيارين العظيمين المتمثلين في انهيار جدار برلين والاتحاد السوفييتي قد فرضا نظرية انتهاء الناتو كونه كان القوة الموجهة والمواجهة للمعسكر الاشتراكي بيد ان هنتنجتون يدعو اولا الى ضم دول البلطيق وسلوفينيا وكرواتيا الى حزب الناتو وبالمقابل فهو يغلق الباب امام انضمام تركيا (المسلحة) واليونان (الارثوذكسية) المسيحية الى ذلك الحلف وهو يريد بذلك تأكيد نظرية صراع الشرق مع الغرب حتى وإن كان ذلك الغرب اصوليا مسيحيا او علمانيا مع الملاحظة الى ان هنتنجتون يدعو الى فصل الدين عن الدولة. ولكن وبالنسبة لهنتنجتون تبدو اسس الغرب ومواجهته مع الشرق والاسلام لا تعتمد فقط على مبدأ واحد ليتجلى بالمصلحة المشتركة بل يضم اشكالية التراث الذي تفتقدها الولايات المتحدة الحديثة نسبيا امام الفلسفة الاغريقية والقانون الروماني واللغة اللاتينية والمسيحية الغربية الكاثوليكية وهي المكونات الغربية التي حددها هنتنجتون في نظريته صدام الحضارات مما يدعونا الى التساؤل عن تلك المشكلة التي ما زالت قائمة بين التراث الامريكي المختلط (بعد حملة اكتشاف امريكا) وبين تراث الأمم الاوروبية للولايات المتحدة وامتداد هذه المشكلة يقودنا للتساؤل في ظل الظروف الحالية حول امكانية الصمت الاوروبي والتسليم بالارادة الامريكية ليس على مستوى صراع الحضارات فقط بل على المستوى الواقع الحالي للتحالف الذي دعت اليه الولايات المتحدة ضد الارهاب. الواضح ان اندفاع الولايات المتحدة لاقامة هكذا تحالف تتداخل في ابجدياته الظروف الطارئة التي حلت عليها من خلال ما حصل في واشنطن ونيويورك فالواضح ان الضربة كانت موجهة الى الاقتصاد والقوة العسكرية بيد ان الاثر الاكبر الذي شغل العالم هو الضحايا الابرياء اي انها ايضا طالت مفهوم الانسانية بمعناها العالمي. واذا بقينا في مجال القوة الاقتصادية والعسكرية فالواقع الحالي يؤكد ان نظرية العولمة التي اخذت فعلها التنفيذي من خلال الاقتصاد قد اجلت كحد ادنى في الوقت الحاضر وبرزت مكانها العولمة العسكرية من خلال الدعوة الامريكية المباشرة للتحالفات العالمية ضد الارهاب وهنا نلاحظ ان العالم الذي تأثر بما حصل في الولايات المتحدة ودعا الى الوقوف بجانب الحالة الانسانية المؤثر لم يستطع ان يتابع دعمه بشرعنة الانتقام على الطريقة الامريكية لسببين رئيسيين الاول انساني يتجلى في تدمير الحياة البشرية لبلد ما والثاني استراتيجي يرفض احلال العولمة العسكرية مكان العولمة الاقتصادية الامريكية وهذا كان واضحا في المواقف الاوروبية التي اخذت تتجه الى العقلانية والبحث عن المسئول الحقيقي عما حصل اضافة الى الموقفين الروسي والصيني اللذين لا يقبلان بقرارة نفسيهما عملا عسكريا كبيرا قد يضر بمصالح الدولتين ويعطي الضوء الاخضر للولايات المتحدة للتحكم بالعالم وعلى الطريقة العسكرية هذه المرة ويبدو هذا واضحا من خلال استعراض التأكيدات والتصريحات المختلفة لكل من أوروبا بشكل عام والصين وروسيا بشكل خاص. العرب في الصراع من الواضح ان الولايات المتحدة من خلال طرحها لمفهوم التحالفات تتجه الى اخراج العرب والمسلمين الذين اول من بادروا بنبذ الارهاب واعلان موقفهم الصريح برفضه، ولكن امام الدعوة الامريكية الواضحة لسياسة الاحلاف هل يمكن للعرب الوقوف خارج هذا السرب دون ان يتأثروا وهم المعنيون به مع المسلمين كافة كما تحاول الولايات المتحدة ـ ان تؤكد، وكما اكدته نظرية صدام الحضارات؟ لعل اطلالة سريعة على التحالفات العالمية ستضعنا كعرب ومسلمين امام سبب وسبب تاريخي يمكن ان ينعكس بشكل مباشر على الحاضر، فصحيح ان حلف الناتو قام عام 1974 لمحاصرة الاتحاد السوفييتي والقوى الشيوعية المساندة له وكان هدفه المباشر صد اي هجوم من المعسكر الاشتراكي ولكنه لم يلبث ان تدخل في لبنان والاردن عام 1958 اثر ثورة 14 يوليو في العراق كما انه كذلك قد قدم مساعدات كبيرة لاسرائيل في حرب اكتوبر 1973. وحتى في ميل العرب الى احد المعسكرين الغربي والاشتراكي «السوفييتي» دون الاعلان عن تحالف حقيقي ادى الى نكسة 1967وبعودة الى الحرب العالمية الاولى فقد تحالف العرب بشكل ما خاصة في شرق المتوسط مع المعسكر البريطاني الفرنسي الامريكي وساعدوا كثيرا في طرد الاتراك المعروف ان النتيجة او المكافأة الغربية كانت الاستعمار الحديث الذي سيطر على الوطن العربي وقسمه على الرغم من مساندة العرب لهم. وحتى في الحرب العالمية الثانية فقد تفاوت التأييد العربي بين معسكري المحور والحلفاء والمكافآت كانت بالطبع زرع الكيان الصهيوني في ارض فلسطين!! فهل يمكن للعرب هذه المرة ان يتدخلوا بشكل مباشر مع حلف امريكا ضد الارهاب؟ الواقع ان العرب والمسلمين قد بينوا صراحة ان لا علاقة لهم بما حصل في الولايات المتحدة ولكن المشكلة لا تبقى في اطار البيان والتبين بل تتعداها الى مفهوم الغرب تجاه العرب والاسلام ومفهوم الصراع الحضاري الذي فرضه الغرب واراد من خلاله زج العرب في مشاكل هم بغنى عنها اولها ان الانضمام الى حلف امريكي يعني بشكل ما اعلان السيطرة الحقيقية الامريكية على الوطن العربي وفرض ارادتها بشكل مباشر علماً ان العرب قد ساندوا الولايات المتحدة في الحالية ولكن الظروف الموضوعية الحالية تفرض صراعاً حضارياً جديداً ومن نوع مختلف اضافت لها الولايات المتحدة اعلان العولمة العسكرية. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق