هناك قاعدة قانونية تقول ان «المتهم برئ حتى تثبت إدانته» وهي قاعدة مثل كل القواعد القانونية يتم تطبيقها أو إهمالها أو الاعتداد بها، أو عدم الالتفات إليها طبقا للمكان والزمان الذي يحدث فيه توجيه اتهام لشخص ما بسبب جريمة ما أو حادث يمكن أن تكون له به صلة بشكل أو آخر، فالدول المتخلفة التي تعيش في حالة من الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي ترى في تطبيق هذه القاعدة مجرد شعار ترفعه على رؤوس قضاتها، وعلى واجهات محاكمها، ولكنها تخضع في تطبيقها للعديد من الشروط، منها ما هو متعلق بعلاقة الشخص بالنظام الحاكم، أو مكانته المالية أولا، ثم مكانته الاجتماعية ثانيا. حتى الدول المتقدمة التي تسمي نفسها «ديمقراطية» فإنها تخضع في تطبيقها لهذا الشعار أيضا لشروط خاصة، وان كانت تختلف عن الشروط المطلوب توافرها في الشخص الموجه إليه الاتهام في الدول المتخلفة، فالمتهم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته إذا كان «ابيض البشرة»، أما إذا كان أسود أو ملونا، أو ينتمي إلى جنسية دولة أخرى، وحبذا لو كان ينتمي إلى دولة من العالم المتخلف، فهو مدان مسبقا حتى لو كانت كل الأدلة تثبت انه برئ، خاصة إذا كانت الجريمة التي وقعت لها صدى إعلاميا واسعا في المجتمع، مما يجعل البحث عن شخص يتم اتهامه وتقديمه ككبش فداء ضرورة لحفظ ماء وجه المؤسسات الرسمية التي قصرت في أداء واجبها. وان كانت بعض تلك الشروط تتطابق في العالمين المتقدم والمتخلف معا، بعد أن اصبح الفساد المالي منتشرا بفضل العولمة والشركات المتعددة الجنسية أو العابرة للحدود التي لا تعرف سوى الربح كقيمة عليا على حساب كل القيم الأخرى، فجعلت الرشوة من أهم قيمها العالمية والأوسع انتشارا، وصارت أرقام الحسابات أهم من أي قيم أخرى، في هذه الحالة يتم تطبيق قواعد متشابهة لأنها تؤدي الغرض نفسه، سواء كان ذلك في العالم المتقدم أو العالم المتخلف. هذه القاعدة القانونية: «المتهم برئ حتى تثبت إدانته» تحولت خلال الأيام الأخيرة في الغرب «الديمقراطي» بجميع مؤسساته إلى شعار منسي تماما، حيث بدأت جميع المؤسسات الأوروبية والأمريكية منذ اللحظات الأولى للعمليات التي أدمت قلب الولايات المتحدة وجرحت كرامتها في البحث عن متهم لأدانته بالقيام بتلك العمليات، ووضعت شروطا محددة لذلك المتهم حتى تغطي على المفاجأة التي كشفت لها إلى أي مدى يمكنها أن تكون عرضة للعنف دون أن تملك له ردا، وأنها ليست بمنأى عن «الضرب على القفا» الذي كانت ولا تزال تمارسه على الضعفاء والذين لا يملكون القوة الغاشمة التي تمتلكها الدولة التي أصبحت -منذ سقوط الاتحاد السوفييتي- القوة الأولى في العالم. وتحت ضغط الشروط المطلوبة في «المتهم البريء المدان مسبقا» بدأت جميع المؤسسات «الديمقراطية» في توجيه الاتهام إلى منظمات فلسطينية أولا، باعتبار أن اتهامها جاهز وأدلة الإثبات يمكن أن تتكلف بها مؤسسات التلفيق الإسرائيلية وعملاؤها في الإعلام الغربي بشكل عام، بل اعتبرت أن «فرحة» الشارع الفلسطيني بما حدث في نيويورك وواشنطن دليلا كافيا لإثبات الاتهام ومبررا للإعداد لعمليات الانتقام، فتكون النتيجة مزدوجة لصالح إسرائيل. من هنا بدأ الحديث عن اتهام الفلسطينيين في وسائل الإعلام الغربية وكأنه «حقيقة واقعة» ومثبتة، وبدأ المحللون التابعون للتوجه الصهيوني في سرد التاريخ «الإرهابي» للمنظمات الفلسطينية، وأجرت معظمها مقابلات مع مسئولين إسرائيليين من أول الإرهابي «بنيامين نتانياهو» إلى الحمامة الجارحة «شلومو بن عامي»، وكان كل همهم بالطبع إبعاد الشبهات عن إسرائيل كدولة إرهابية تمارس جميع أنواع الإرهاب من خلال اتهام الفلسطينيين بهذه الأعمال، ومحاولة تبرير عمليات الاغتيال العمد التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي دون أدلة اتهام ضد من تطلق عليهم الصواريخ الأمريكية الصنع، ومن الطائرات الأمريكية الصنع، وبدعم أمريكي رسمي أيضا، بلغ صفاقته بالتأييد المطلق الذي أعلن عنه صراحة «تشيني» نائب الرئيس الأمريكي قبل أيام قليلة من تلقيه الصفعة في عقر داره. إلا أن حجم الضربة التي لحقت بالكرامة الأمريكية كانت اكبر من أن تكون منظمة فلسطينية «ثمنا» لإصلاحه، أو إعادة الثقة إلى المواطن «الأمريكي»، إضافة إلى أن طريقة التخطيط والتنفيذ والتمويل لتلك العملية كانت تفوق بكثير قدرة أي منظمة فلسطينية تفكر في الانتقام من الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، من هنا بدأ البحث عن عدو آخر يملك قدرات أكبر ويمكن من خلاله توسيع دائرة الاتهام لتشمل أكبر رقعة جغرافية ممكنة، فبدأ الحديث بشكل عام عن «الإرهاب الإسلامي»؟!، وهو تعبير مطاط لا تملك إزاءه أي دولة إسلامية الاحتجاج على إطلاق مثل هذه الاتهامات، لأنها اتهامات لا تحدد دولة أو جماعة بعينها. وتولت ماكينة الدعاية الإعلامية الغربية الإسهاب في شرح «ماهية ذلك الإرهاب ومن يقف من ورائه»، وهو إسهاب ملئ بالمغالطات، سواء في المسميات أو الأرقام، بل والانتماء الأيدلوجي، فشملت قائمة الاتهام بالإرهاب الإسلامي منظمات يسارية في العالم العربي، وتحولت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية إلى منظمة «عربية متطرفة». استمر هذا الخلط والتخبط الذي وقعت فيه المؤسسات الإعلامية الغربية بإيعاز من المؤسسات الرسمية «الديمقراطية»، وشمل التخبط أيضا مؤسسات الأمن الأمريكية التي كانت تتباهى على العالم بقدرتها على التدخل ومنع «الكوارث»، ولم تستطع تقديم اسم واحد على انه «المتهم ماديا» بالقيام بتلك العمليات الدقيقة التخطيط والتنفيذ التي نتج عنها يوم الجحيم الأمريكي، فقررت في النهاية الإمساك باسم «عميلها السابق» في أفغانستان «أسامة بن لادن» ليكون كبش الفداء الذي يمكن تقديمه كضحية على مذبح «الحقيقة» في العالم «الديمقراطي» المرتعب الخائف على قيمه من الانهيار حتى لو كان هذا الاتهام مخالفا لتطبيق القواعد الأساسية التي تقوم عليها تلك القيم. جاء هذا الاتهام ليوقف التساؤلات العديدة حول من يمكنه القيام بتنفيذ تلك العملية المعقدة التي تم فيها الحرص على نجاح تنفيذها بدقة متناهية تفوق قدرة شخص يعيش في صحراء قاحلة، وليؤكد من جديد على أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد الاستفادة من دروس ما حدث، وأنها كالعادة ترى القشة في عين الآخرين ولا ترى «سيخ الحديد» الساخن في عينها، وترفض الاعتراف بأن القوة الغاشمة العمياء التي اعتادت على ممارستها يمكنها أن تخطئ هدفها، وأن ممارساتها خلال النصف قرن الأخير في تعاملها مع الدول والقوميات الأخرى جعل أعداءها منتشرون في جميع بقاع الأرض، بل وفي داخل أراضيها نفسها، لأن جزءا من شعبها يمارس الإرهاب نتيجة تربيته غير السوية التي تغذيها أفلام هوليوود والألعاب الإلكترونية التي تحض مواطنيها منذ نعومة أظافرهم على سفك الدماء البريئة للتأكيد على «عظمة» الرجل الأبيض على غيره من البشر حتى لو كانوا من المواطنين الامريكيين، وتؤكد على «سمو» الولايات المتحدة في مواجهة الدول الأخرى، خاصة بعد أن تحولت الى القوة الأولى في العالم. لا تريد الولايات المتحدة أن تعترف بان العداء لها انتشر وامتد بطول العالم وعرضه، مع أن نظرة واحدة إلى التاريخ المعاصر لسياسات الولايات المتحدة، ناهيك عن تاريخها «الدموي» منذ اللحظات الأولى لوصول الرجل الأبيض إلى تلك الأرض، وممارساته ضد أصحاب الأرض الحقيقيين من الهنود الحمر، يكشف عن أن أعداءها لا يمكن حصرهم في أسامة بن لادن وحده، ولا في المنظمات الإسلامية والفلسطينية المتطرفة فقط. بل ان تاريخ تنفيذ عمليات واشنطن ونيويورك، في الحادي عشر من سبتمبر، في حد ذاته أمر دال على أن العداء اكبر من أن يكون منحصرا في العرب والمسلمين، ترى هل نسيت المخابرات المركزية الأمريكية انه في مثل هذا اليوم بالذات «الحادي عشر من سبتمبر» عام 1973 نفذت انقلابا عسكريا دمويا ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في التشيلي الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من القتلى والمختفين؟، هل نسي هنري كيسنجر انه كان أول مسئول يزور التشيلي ليؤكد للجنرال الدموي «اوغوستو بينوتشيه» أن الولايات المتحدة لن تتخلى عنه مهما ارتكب من جرائم في حق الشعب التشيلي، وان كيسنجر مطلوب في قوائم الاتهام مع صديقه الجنرال الدموي في تشيلي بعد أن كشفت وثائق المخابرات الأمريكية نفسها التي تم نشرها مؤخرا عن دوره القذر في ذلك الانقلاب. وقبل وبعد هذا الانقلاب، فان القائمة الدموية لعمليات الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا منذ الخمسينيات وحتى الآن طويلة، وقائمة ضحاياها من الأبرياء يمكنها أن تغطي برجي «المركز الدولي للتجارة» اللذين سقطا ضحية للعملية الأخيرة. التلويح باستخدام «القوة الغاشمة» ضد «قوى مجهولة» يؤكد من جديد أن الولايات المتحدة لا تزال عمياء عن الحقائق أو أنها على اقل تقدير لا تريد أن تراها وتحاول التعامل معها من خلال إصلاح سياساتها التي لم تجن منها سوى عداء معظم شعوب الأرض، وأنها لا تزال غارقة في قيمها ولا تريد أن تستفيد من الأحداث الأخيرة وتتعلم الدرس قبل أن تتكرر تلك الأحداث مجددا، خاصة بعد أن اكتشف العالم أجمع أن أراضي «القوة الأعظم» في العالم غير محصنة وهدفا سهلا يمكن النيل منه ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا