كل العالم في اكسفورد جنسيات مختلفة من الجنسين، مزيج من الالوان المتضادة أسود على أشقر وملونين، قامات طويلة فارعة الطول، واخرى قصيرة جداً، واحجمام متوسطة وخليط من لغات تسمعه في الشارع بين مجموعات الناس المتحركة، وألسنتهم تشابه حركتهم في السير، بعضهم سريع الكلام وآخر بطيء في المشي وفي حركة تحريك لسانه، يمشي بجانبك لا تفهم حديثه، ولا يعنيه ان كان احد يسمعه ولا يفهمه، يهمه فقط ان يصل اكسفورد، ان تفهمه هي، وان تعطيه لغة جديدة وشهادة كبيرة أو صغيرة، تمنحه العلم والحلم بمستقبل أجمل. إذا دخلت اكسفورد فانك ستدخل مكتبتها، ان اعظم ما فيها هو دور العلم وهذه المكتبات سواء التابعة والمكملة لجامعاتها أو التجارية التي ستجد فيها كل ما تبحث عنه، وأيضاً كل ما لا يخطر على بالك ولا تتوقعه. في مكتبة مثل Blackweell ستجد مبنى كاملاً يقع في أكثر من ثلاثة طوابق فيه كل كتب العالم وبلغات مختلفة. يقابل هذا المبنى الضخم مبنى آخر تابع لنفس المجموعة مكون من طابقين هو عبارة عن مكتبة ولكنها متخصصة في الكتب المصورة فقط، إذا دخلتها ستجد أين وصل العالم وأين نحن، وسيشعر الزملاء عشاق الرسم أو التصوير الفوتوغرافي تحديداً حجم الظلم والجهل الذي هم فيه، لان مثل هذا العالم بعيد عنهم وانه يتجدد في كل يوم بينما مهاراتهم واطلاعهم لا يتقدم إلا في المناسبات، مناسبة حصولهم في بلدانهم على دورة ولو كانت بدائية أو كتاب ولو قديم يتحدث في هذا الفن الذي ينتمون إليه بعشقهم وتجاربهم لا تساندهم فيه وسائل التعليم والمهارات والاطلاع التي يفترض توافرها في بلدانهم. ويكمل هذا المبنى محل ثالث مخصص للرسم وأدواته وكل ما يحتاجه الفنان في هذا الميدان، وقرب هذه المجموعة عمارة من طابقين مخصصة للمكتبة السمعية والمرئية، شرائط الفيديو والكاسيت والـ CD والـ DVD، ومن كل العالم ايضا ولمختلف الشرائح والاذواق، ويلاحظ أن الروائع العالمية وتحديداً «الكلاسيك» منها له مكان الصدارة في طريقة العرض أو حتى في قيمة الاسعار والحسومات الكبيرة التي تقدم عليها. ويفصل بين هذه السلسلة الثقافية والفكرية من المباني محل أو أكثر عبارة عن مطعم أو بقالة أو صالة متحف، وتتكرر من ثم مجموعة متلاصقة من المكتبات ومحلات الاشرطة. ولأنني أحد المنتمين إلى (منظمة) عشاق الصحراء، والتي لا وجود لها في أذهان وقلوب الذين تستهويهم وتسكنهم ذكريات وايحاءات الصحراء، فانني عملت ومنذ زمن بعيد على البحث وما أزال عن هذا العالم وجمالياته فيما كتب عن الرمال من وصف أو تجارب أو رسم وتصوير، إلا أنني لم اشبع هذه الحاجة رغم البحث المتواصل، بل أجدها ملحة دائماً واشعر بحجم الفقر الذي تعانيه مكتباتنا وثقافتنا بشكل عام فيما يتصل بالكتابات التي تتحدث وتخص الصحراء. في اكسفورد، وجدت مجموعة من الكتب والالبومات والاشرطة التي تعنى بموضوعات الصحراء، والغريب ان ما يوجد في هذا المدينة الغربية من مطبوعات تتحدث عن عالم الصحراء، يفوق ما في البلدان العربية من مؤلفات تتحدث عن هذه الصحراء! اكثر من كتاب مصور يتحدث من خلال العدسة عن جماليات الصحراء، من كل الزوايا، حتى زاوية السماء، فهناك صور جوية في حجم لوحات جدارية تتحدث عن الصحراء في أوقات واشكال مختلفة، ايضا الحديث المكتوب من ذكريات واوصاف لرحلات استكشافية لعدد من الرحالة والمستشرقين الذين انتشروا فيها من الصحراء الغربية الى الجزيرة العربية في ازمنة مختلفة. هناك كتب تصف اهلها وكيفية معيشتهم فيها، واشرطة مرئية تصور هذه الحياة كما هي في طبيعتها وبساطتها. واشرطة سمعية مستوحاة من الصحراء، سواء كانت اشرطة تحمل اصوات الطبيعة فيها مثل صفير الريح عندما تبعثر الرمال وتحركها أو تداخل اصوات الحيوانات والحشرات عندما تجتمع في سكون ليل الصحراء. أو أخرى تحمل إيقاع موسيقى هادئة مستوحى من وحي حياة الرمال. واشرطة غنائية تحمل فلكلور وتراث الصحراء من بلدان مختلفة كطبول افريقيا وصوت الطوارق في ترحالهم الملثم الطويل. في اكسفورد وجدت ما كتب عن الصحراء، صورها ووصفها، لكنني لم اجدها، لم يكن هناك مكان لها، انها مدينة باردة في الصيف والشتاء، في طقسها وسكانها، يسكنها الاسمنت وماء النهر، ويلفها بساط أخضر لا ينتهي مداه ولا يموت في كل المواسم، لا وجود لذرات الرمال فيها. فكيف تعيش الصحراء هنا... إنها عندهم في الاحلام والكتب فقط.