منذ الثلاثاء قبل الماضي وحتى اليوم لا حديث سوى الهجوم على امريكا. حتى بت أعتقد ان الارض سوف تتوقف عن الدوران لشدة ما قيل في شأن هذا الهجوم والذي يترافق عادة بتحليلات أو تنظيرات معظمها يذهب سدى، لأن ما حصل كان ميتافيزيقياً (ما وراء الواقع)! وعليه فان وجود ثلاث جارات في المنزل يحللن شأن الهجمات بطريقة معكم مراسلنا الفلاني من واشنطن أو المحلل الاخباري الفلاني من باريس أو الخبير في الشئون العسكرية العالمية من لندن، يعتبر شأنا ميتافيزيقياً، لأنهن هجرن المطبخ وتربعن أمام التلفزيون يشاهدن الدمار ويقلبن المحطات ثم يجتمعن في صالة الجارة التي تقطن الطابق الثاني والعائدة تواً من صالون الحلاقة حيث حولت شعرها الاسود الى اشقر نحاسي تتخلله خصل محناة بالأحمر، لكن الهجوم على امريكا فوّت عليها فرصة التعليقات والثناءات التي كانت تنتظرها وهذا يعني ان الهجوم على امريكا اثر سلباً على الجارة في الطابق الثاني، لكن الجارة في الطابق الثالث والتي كانت تدير الحوار بين الجارات قالت: اكيد هي حقيقة ما هي سينما لأني شفت الطيارة عم بتدخل في البناية وتنفجر. فأيدتها جارة الطابق الخامس مؤكدة: الناس كانوا فزعانين وعم يركضوا شمال ويمين، وكان يفترض ان تؤيدها جارة الطابق الرابع ولكنها لم تستطع الحضور لان زوجها طلب منها ان تضب الأغراض والأولاد لأن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت ويمكن تصيبنا شي طرطوشة. الجارات وجدن حديثاً جديداً خارج دائرة المطبخ والأولاد وغيرها من الاحاديث النسائية لأن ماما أمريكا هي التي تطبخ اليوم والجميع مدعوين الى مائدتها وليس على الجارات سوى انتظار الطعام أقصد جارات امريكا وليس جارات شقراء الطابق الثاني، وهذا يعني لاطبخ ولا نفخ بعد اليوم طالما الأم الكبيرة تعد قدراً عملاقاً يكفي لاطعام جميع ساكني الجوار. لكن هل يكفي الجارات ان يتفرجن على الحدث مثل الاطرش في الزفة، ابداً فقد عملن آلو لجارات البناية المجاورة واقترحن عليهن المجيء اليهن ليتباحثن شأن الهجوم وتبعاته، فسارعت جارتان من البناية المقابلة الى صالة شقراء الطابق الثاني وانضمتا الى الحديث الدائر عن الحدث حيث صرحت مراسلة الطابق الأول من البناية المقابلة ان ما جرى هو غضب الأمهات على الابناء! الا ان حليفتها من الطابق الخامس في العمارة نفسها قالت: في أمريكا الأولاد لا يحترمون الآباء والازواج لا يقدرون الزوجات، لذلك انصب عليهم الغضب العظيم. هذا يعني ان حلفاء البناية المقابلة لديهن رؤية مختلفة للحدث لا تتفق مع ما تطبخه ماما أمريكا، ويعني ايضاً انهن لا يحبن طعام الأم الكبيرة، لذلك سرعان ما شربن القهوة وغادرن صالة شقراء الطابق الثاني. ومع استمرار تطور الحدث تلفزيونيا فقد انهمكت جميع الجارات في التحليل والمراسلة عبر الهاتف مع بعضهن البعض وفوتن اعداد طعام العشاء أو متابعة واجبات الاولاد ونشر الغسيل البائت منذ أمس مما ترتب على ذلك ان تقع عدة خلافات زوجية اقلها شأنا ان ينام احد الزوجين في الصالة بينما ينفرد الآخر في غرفة النوم حالما بالحرية و... العزوبية. أما اشد الخلافات الزوجية شأنا تلك التي دفعت الجارة الشقراء الى اتهام زوجها بقصر النظر وضعف الحب، وعندما سألها عن سبب هذا الاتهام قالت: الم تر شيئاً ما قد تغير. ثم وضعت اصابعها في شعرها ورفعته الى الأعلى وفردته على كتفيها، فقال الزوج بكل حماس: نعم لقد تغير التاريخ قبل 11 سبتمبر وبعد 11 سبتمبر فما كان من الزوجة الشقراء العائدة تواً من صالون الحلاقة الذي أحال شعرها الى اللون الاشقر النحاسي المطعم بخصلات محناة بالأحمر إلا ان تخبط خلفها باب الحمام وتبدأ بصبغ شعرها باللون الاسود ليتناسب مع ما بعد 11 سبتمبر. E.Mail:H-S-D@MaktooB.com