لماذا هذا التعتيم شبه الكامل على مجريات عملية التحقيق الامريكية في حوادث التفجير التي طالت نيويورك وواشنطن؟ لمدى عدة ايام منذ وقوع هذه الحوادث الجسيمة في يوم الثلاثاء 11 سبتمبر، تواصل مؤسسات السلطة الامريكية بما في ذلك الادارة الرئيسية والكونجرس والمؤسسة العسكرية والجهاز الدبلوماسي انشطتها المحمومة بشأن التداعيات المتعددة فتتخذ تدابير وتنفذ قرارات. ومع ذلك فلا الشعب الامريكي ولا العالم يسمع الا النزر القليل عما يجري على صعيد التحريات التي يقوم بها مكتب التحقيقات الفيدرالي ومكتب المدعي العام. كأن هناك تكتماً متعمداً على مسار التحقيق. فكيف يكون عدد المطلوبين للاستجواب والمشتبه بهم ما يقارب المئتين بينما لم يوجه اتهام الا الى شخصين فقط يحتمل ان يسقط عنهما الاتهام لضعفه؟ وبالطبع ينعكس الوضع على وسائل الاعلام الامريكية. على مدار الاربع والعشرين ساعة لمدى اكثر من اسبوع فإن عناصر المادة الغالبة على التغطية الاخبارية في الفضائيات التلفزيونية من نشرات ومقابلات وندوات وتقارير وثائقية تكاد تنحصر في ثلاثة محاور: افغانستان وشبكة بن لادن والتحضير للانتقام الامريكي، مسار عملية انتشال الجثث من ركام مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع، طلعات ونزلات الرئيس بوش وكبار مساعديه. اما عملية التحقيق المفروض ان تكون المرتكز الاول والمنبع الاساسي لكل التداعيات المتفاعلة فإن ما تحظى به من تغطية اعلامية لا يكاد يذكر. بايجاز نقول ان المسألة مدعاة للريبة. فهذا التعتيم النسبي على التحقيق لا يمكن الا ان يكون وفقاً لتعليمات عليا صادرة رسمياً. ان هناك احتمالين قويين لتفسير هذا الوضع الغريب: اولاً: ان كل المؤشرات الاتهامية المتوافرة ادت كل منها الى طريق مسدود رغم سيل التصريحات والتسريبات الصادرة عن مكتب التحقيقات والنائب العام بما يوحي بعكس ذلك. ثانياً: ان مسار الاستجوابات وفحص «الادلة» الاولية لم يقودا الى النتيجة المقررة سياسياً، وهي ادانة شبكة اسامة بن لادن كعقلية مدبرة. ان احتمال ان يكون التحقيق وصل الى طريق مسدود بسبب عدم العثور على ادلة ملموسة وقاطعة يمكن ان تصمد في المحكمة يرجحه عجز المحققين عن الخروج من دائرة الاشتباه الاولى الى دائرة توجيه اتهامات محددة الى افراد من بين المطلوبين للاستجواب.. كما ترجحه التناقضات بشأن عدد من الاشخاص العرب الذين ادعى مكتب التحقيقات انهم هم الذين اختطفوا الطائرات المدنية التي استخدمت لعمليات التفجير. فقد اتضح ان من بينهم من كان خارج الاراضي الامريكية لحظة وقوع التفجيرات ومن كان ميتاً قبل عامين. اما احتمال ان المحققين يكتشفون كل يوم ان مسار الاستجوابات لا يقود الى النتيجة السياسية المقررة سلفاً فانه اوضح من الشمس. فلو توفرت ادلة ملموسة قاطعة تدمغ اسامة بن لادن لما ترددت الادارة الامريكية لحظة واحدة في اعلانها، فحتى الان يبقى بن لادن، رغم البيانات والتصريحات الامريكية المحمومة، مجرد «مشتبه به». وثمة فرضية اخرى يمكن ان تفسر التعتيم النسبي على مجرى التحقيقات، وهي احتمال ان المحققين قد توصلوا الى ادلة ملموسة ونهائية لكنها تشير في احد اتجاهين غير مرغوب فيهما. اولاً ان تكون عملية تدبير التفجيرات محصورة بالكامل في مجموعة افراد داخل الولايات المتحدة لا صلة لهم بأي جهة خارجية على الاطلاق. وفي هذه الحالة فإن دعوة «التحالف الدولي ضد الارهاب العالمي» التي ينادي بها الرئيس بوش تنسف من اساسها. ثانيا: ان يكون من بين المتورطين في تدبير التفجيرات مواطنون امريكيون من اصول غير عربية سواء كأفراد او تنظيم.. ربما بدافع «معاداة السامية». وايا كان الحال فإن عملية التحقيق باتت الان برمتها موضع ارتياب.