تتسارع الاحداث مع مشاهد انطلاق الطائرات المقاتلة الامريكية، وتحركات الاساطيل وسط ارتفاع دوي دقات طبول الحرب. وكأن صانع السياسة الامريكية اراد لبلاده ان تسترد جزءاً من هيبتها الضائعة عبر تكنولوجيا الصوت والصورة. وفي الجانب الآخر من العالم انهى مجلس علماء الدين الافغان اجتماعه امس باصدار فتوى تعلن الجهاد اذا ما هاجمت امريكا بلادهم. وفي نفس الموقع لاتزال صيحات الغضب ترتفع في مختلف ارجاء الارض الباكستانية منددة بأي عدوان ينطلق ضد الجارة المسلمة. هذه التحركات الدولية عبر الولايات المتحدة وصولا الى افغانستان لا تبشر بخير كثير لأي من الطرفين. فالقوة بدأت تتجلى في اقبح صورة مما ينذر بتحول كبير وواسع في موجة التعاطف التي غمرت ضحايا الولايات المتحدة الامريكية خلال الايام التسعة الماضية منذ وقوع الاعتداءات على نيويورك وواشنطن. ولعل اختيار العسكرية الامريكية مسمى «عدالة بلا حدود» أو «العدالة الابدية» أو «العدالة المطلقة» شعاراً لحملتهم العسكرية ضد الارهاب او بالاحرى ضد العدو المجهول تضع العالم بأكمله في مواجهة مأزق جديد. فتلك العدالة التي بلا حدود لم تحقق المطلوب بعد فوق ارض فلسطين. وهنا فإن حدود هذه العدالة تكشف انها قاصرة ومنحصرة في تحقيق المخططات والاهداف الامريكية وفق سياسات غامضة ومجهولة لمختلف دول العالم. فلم يكد يمض يوم على اتفاق وقف اطلاق النار في الارض الفلسطينية المحتلة حتى عادت الدبابات والمدافع الصهيونية تطلق نيرانها ضد الابرياء من ابناء الشعب الفلسطيني خاصة في مدينة الخليل. كما استمرت اسرائيل في سياساتها الارهابية العنصرية المتمثلة في احكام الحصار في اشد صوره والاستمرار في سياسة التجويع. وهنا فإن الاساطيل والطائرات الامريكية تحركت على ارضية مختلفة تماما لكل التصورات التي نادى بها الحكماء والعقلاء، اذ كان يجب ان تتم مع هذه التحركات تحركات اخرى موازية وسريعة وفاصلة تحقق «العدالة بلا حدود» لابناء الشعب الفلسطيني في اطار سياسات العدالة المرسومة برتوش امريكية. من الواضح ان صناع السياسة الامريكية لا يستهدفون حقا القضاء على الارهاب الذي نفهمه نحن العرب ونعرفه جيدا وجربناه طويلا وهو الارهاب الاسرائيلي. فلهم ارهابهم الذي يستهدفونه ولنا ارهابنا الذي نفهمه.. فهم يرون الارهاب في كل ما يعارض المصالح الامريكية واسرائيل حتى ولو كانت مقاومة تحررية تبحث عن العدالة التي يتشدقون بها. من المؤكد ان وقت المناداة بالحكمة والتعقل لم يعد فيه متسع مع انطلاق الآلة العسكرية الامريكية من مواقعها الى اهدافها المنشودة، ولكن يبدو ان المستنقع الافغاني يقف بانتظار الغضب الامريكي الذي ادار ظهره للارهاب الحقيقي وانطلق وراء تحقيق اهدافه الاستراتيجية في منطقة آسيا الوسطى وأماكن اخرى من العالم.