وصلت أعمال الارهاب إلى مدى يتجاوز كل التصورات، فقد استخدمت طائرات مدنية مخطوفة يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، في الإرتطام بأحد الأجنحة الخمسة لمقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في واشنطن، وكذلك ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، مما أحدث قتلى بالآلاف، وحالة من الفزع والرعب والخوف الهستيري استولى على الجميع، قال البعض أنه يوم القيامة في أمريكا، وقال آخرون بل هو فيلم من أفلام الخيال العلمي المرعبة. رعب وترويع وخوف وتدمير وجرح وقتل المدنيين، يجعل أي مخلوق في قلبه ذرة إنسانية، لابد وأن يرفضه ويقف ضده بل ويحاربه.. لأننا في النهاية بشر نشعر ونحس ونتألم ونحزن ونتعاطف، ولسنا وحوشا لا تستطعم الا الدم. الكل غير مصدق، أن مثل هذه الأشياء يمكن أن تحدث على الأراضي الأمريكية، القوة العظمى رقم واحد في العالم، وحيث الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار عن بعد التي تستطيع أن تتسمع دبة النملة كما يقولون، ووكالة المخابرات المركزية التي تعرف ما يجري في كل زاوية وحارة وزقاق على كوكبنا المعمور، وحيث جهاز للمباحث الفيدرالية الذي في حوزته ملفات ومعلومات عن كل شخص يمكن أن يكون مشبوها في العالم .. كيف حدث هذا، ومن الذي دبره، وأين كانت كل تلك الأجهزة بينما كان المدبرون يخططون ويجربون أنجح السبل لتنفيذ خططهم. أغلب الظن أن حالة من الاهمال والغرور الزائد الناتج عن ثقة في النفس في غير محلها كانت وراء عجز أجهزة الأمن والمخابرات والقوات المسلحة عن كشف المؤامرة قبل وقوعها، وهناك أيضا عنصر يلزم أن تتعرض له التحقيقات وهو، هل هناك اختراق، بمعنى هل نجح المتآمرون في التسلل داخل الأجهزة الأمريكية الحساسة؟ مرحلة جديدة أن الأسلوب الذي استخدم في الهجوم على المنشآت الأمريكية واختيار تلك المنشأت نفسها، كرموز لا يخطئها أحد على هيمنة الرأسمالية والعسكرية الأمريكية على العالم، والوصول إليها وإتمام العمليات في أوقات متزامنه، يدل على درجة استثنائية من التوحش، ومستوى غير مسبوق من التطور في أعمال الإرهاب، التي اصبحت لا تتورع عن شئ، ويبدو في الوقت نفسه أنها أصبحت قادرة على القيام بأعمال كبيرة، دونما إمكان لاكتشافها أو احباطها في وقت مناسب، وأيا كانت الأطراف المسئولة عما حدث، أو الأهداف المجنونة التي دفعت إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال المفزعة، فإن ما جرى يشير إلى بدايات مرحلة شديدة الخطورة. ومن الصعب ـ بالطبع ـ الحديث بشكل مبكر عمن يمكن أن يكون قد ارتكب مثل هذه العمليات، وإذا كانت الاصابع تشير إلى أسامه بن لادن وتنظيم القاعدة، وبعيدا عن أن ذلك قد يكون ضمن الاحتمالات المطروحة، فإن واقعة أوكلاهوماسيتي، تشير إلى وجود إتجاهات أخرى لأعمال إرهابية شديدة العنف أيضا، فالمهم أن الظاهرة قد تحولت إلى كارثة حقيقية وأن أصابعها قد طالت وتعددت، وأصبحت تنذر ليس فقط بكوارث، وإنما بمأس ذات أبعاد جديدة غير مسبوقة. وإذا كان الأمر يحتاج إلى أكبر قدر من الموضوعية في تناوله، فإنه لم يكد يمر أكثر من دقائق لكي تطرح وسائل الاعلام الغربية أولا، ثم وزير الخارجية الأمريكي بعد أقل من يومين ثانيا، إسم بن لادن كمشتبه به رئيسي في الهجوم الإرهابي البشع الذي تعرضت له كل من نيويورك وواشنطن، وقد استندت الإتهامات على خلفية التهديدات التي اعتاد الرجل على أن يطلقها بين الفينة والأخرى ضد الولايات المتحدة، بالإضافة إلى شبهات قوية بتورطه في عمليات إرهابية سابقة ومن بينهما تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من كينيا وتانزانيا في عام 1998، تلك الشبهات القوية التي لم تثبت بشكل قاطع حتى الآن. ومع أنه ينبغي التأكيد مرة أخرى على إدانة ورفض واستهجان مثل ذلك الجرائم أيا كانت جنسية مرتكبيها، وبغض النظر عن ديانتهم حتى وأن كانوا عربا أو مسلمين، وكذا ضرورة معاقبة القائمين عليها، إلا أن صيحات الإنتقام الجنوني التي تطلقها وسائل الاعلام الغربية، وبعض الدوائر الأمريكية المسئولة، والتي من الواضح أنها تجر الحكومة الأمريكية إلى نفس الطريق دون ترو يمكن ألا تساعد في التوصل إلى الجاني الحقيقي وراء الجريمة البشعة وبالتالي فإنها لن تفيد في تحقيق العدالة، أو في تحقيق التأمين المطلوب من هذا الإرهاب العاتي الشئ الذي يتفق عليه المسئولون الأمريكيون هو شن حرب ضد الإرهاب. ومعاملة الدول التي تساند الارهاب معاملة الإرهابيين .. وهنا تثور مخاوف من أن يكون هذا الحادث سببا لاتهامات باطلة تسقط على رأس دول فقيرة ليس لها في (العير ولا في النفير)، ويمكن أن تؤدي لضرب شعوبها.. وهي شعوب ليس لها في (العير ولا في النفير) أيضا. لا أحد يعترض على أن تضرب الولايات المتحدة قواعد الإرهاب ومواطنه، بشرط أن تبحث عن مصادره داخل الولايات المتحدة نفسها أولا، وأن تتوافر لديها ولدى الرأي العام العالمي من الأدلة القاطعة ما يعزز الشكوك التي تلقى الآن جزافا وبغير دليل. إن أخطر شئ الآن، أن تندفع الولايات المتحدة في جو التوتر والعصبية والرغبة في الإنتقام، إلى البحث عن (كبش فداء) سريع تلقي به إلى ذئاب الإنتقام الجائعة، التي لم يخطر بخيالها أن تتعرض أمريكا لمثل هذا العدوان. ان الضرورة الموضوعية في تحليل ما حدث تتطلب، أقل ما تتطلبه، القليل من المنطق، فالكلام عن تدبير الصاق التهمة بأطراف عربية أو مسلمة يتنافى عقلانيا مع حاجة الولايات المتحدة، حكومة وشعبا إلى التعرف إلى العدو الحقيقي الذي شن حربا لا سابقة لها عليها. والولايات المتحدة اليوم ليست في وارد اختراع العدو، لأن الحرب حقيقية وشنت عليها في عقر دارها، أن المسألة في غاية الجدية وليست في حاجة إلى نظريات خيالية. وإذا كان قد بدأ، بعد يوم واحد على كارثة الهجمات الإنتحارية في واشنطن ونيويورك، ظهور ملامح تحالف دولي آخذ في التشكل، فالمطلوب أن لا يكون هذا التحالف الدولي مجرد غطاء لما تعتزم الولايات المتحدة القيام به للإنتقام مما وقع لها، وضد من تعتقد أنه وراء هذه العملية الشنعاء. من المؤكد أن العمليات الإرهابية التي داهمت الولايات المتحدة وأدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، تستوجب تكاتف المجتمع الدولي لمواجهة تطور وسائل الارهاب وتهديده لأمن واستقرار العالم لأنه إذا كانت أقوى دولة في العالم قد تعرضت لهذه الكارثة، رغم ما تملكه من قدرات هائلة وإجراءات أمنية بالغة التعقيد، فإن ذلك يعني أن الأمر قابل للتكرار في كل مكان. لقد ثبت بوضوح أن العمليات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة تؤكد أن الإرهاب بات خطرا على العالم كله، وأن هذا الخطر المريع يستهدف الجميع دون استثناء، ومن ثم ينبغي أن يتكاتف المجتمع الدولي لمواجهة هذا الخطر ويتصدى لجرائمه البشعة، التي تستهدف أرواح المدنيين الأبرياء، كما تستهدف الحضارة والتقدم الإنساني. سبل المواجهة لقد آن الآوان تنظيم حملة دولية شاملة لإجتثاث الإرهاب بجميع صوره وإشكاله واستثمار أجواء الغضب العالمي التي كشفت عن رفض قاطع للإرهاب من كافة الدول والشعوب المحبة للسلام والأمن والطمأنينة. ومن المؤكد أن هذا الاجماع الدولي على التعاطف مع المأساة التي تعرض لها الشعب الأمريكي والحرص على تقديم التعازي والعون الإنساني للأمريكيين بغض النظر عن الاعتبارات السياسية، تمثل شهادة لوعي المجتمع الدولي، لأن المبدأ الأساسي هو الرفض القاطع للجرائم الإرهابية التي تستهدف الجميع وتهدد أمن وإستقرار الجميع. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لم تأخذ الدعوة التي صدرت عن أطراف مختلفة لعقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب مأخذ الجد في السابق، وبدا أنها تفضل العمل بشكل منفرد في مواجهة مثل هذه القضية الخطيرة، فقد حان الوقت لكي تصغى جميع القوى العالمية إلى صوت العقل، وتضم صفوفها في إئتلاف دولي لمحاربة الإرهاب، يضم في إطاره كل أعضاء الأمم المتحدة، ومن المؤكد أن الإسراع في تشكيل مثل هذا الإئتلاف، سيكون بمثابة نقطة تحول مهمة في التاريخ الإنساني، ولعله يساهم في حل الكثير من الصراعات والنزاعات ويضع حلا للإرهاب بكل صوره وإشكاله، بما فيه إرهاب الدولة الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل حريته وإستقلاله. ذلك أن ما بين الهجوم الإرهابي البشع على الولايات المتحدة الذي ضرب بعض رموز الدولة، وبين هدم إسرائيل لمنازل الفلسطينيين في وطنهم المحتل، وقيامها كدولة باغتيالات منظمة، وقتلها وتجويعها لأبناء الشعب الفلسطيني، ما بين هذا وذاك خيط واحد ونتيجة أساسية يمكن إدراكها ببساطه، وهي أن الإرهاب ينشر سواء قامت به دول مثل إسرائيل، أو قامت به تنظيمات متفرقة من الشرق أو الغرب، خاصة في ظل مناخ عالمي مطاطي وأحيانا مغلوط في توصيف الإرهاب وفي التعامل معه، حيث يتم التسامح مع الإرهاب الإسرائيلي في الغرب، وتلصق التهمة فقط بالعرب والإسلاميين بشكل لا يخلو من عنصرية، والحقيقة أن العالم ينبغي ألا يغرق في تبادل الإتهامات ذات الطابع العنصري حول مصدر الارهاب، لأن هذه الظاهرة يمكن أن توجد في أي مجتمع طالما توافرت الظروف الداخلية والخارجية المساعدة على ظهورها وتطورها، والأمر الأهم في هذه اللحظة هو كيفية اجتثاث أسباب الإرهاب بشكل موضوعي وليس بشكل أمني، لأن الضوابط الأمنية قد تقلل الارهاب، لكنها لا تنهي دوافعه التي تكون قادرة على بعث موجات جديدة ومستجده منه، كما أن الضوابط الأمنية لا يمكنها ـ في الشرق أو الغرب ـ أن تمنع الأعمال الإنتحارية. أما اجتثاث أسباب الإرهاب بشكل موضوعي، فإنه عمل شاق وطويل الأجل، لكن هو وحده الكفيل بإنهاء ظاهرة الإرهاب أو تحجيمها لأقصى حد، وهذا الاجتثاث لأسباب الإرهاب يتطلب على الصعيد الداخلي، المساواه في الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية عموما بين البشر دون النظر إلى الأصل العرقي أو الديني أو اللون أو الجنس . ويتطلب تطوير النظام الديمقراطي وفتح المشاركة السياسية أمام كل المواطنين، وتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حد أدنى من مستوى معيشة إنساني للفقراء، وتقليل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، والعمل على مكافحة البطالة ورفع مستوى التشغيل، أما على الصعيد الخارجي، فإن اجتثاث أسباب الإرهاب، يتطلب احترام سيادة الدول والشعوب والعدل في التعامل مع مختلف القضايا في العلاقات الدولية، والبعد عن غطرسة القوة وعن إنتهاك حقوق البلدان الأخرى، إذا تم ذلك فإنه يمكن توقع إنحسار الإرهاب عالميا. فما دامت قضية الارهاب غدت تمس مصلحة العالم بأسره، وليس دولا بعينها، فقد أزفت اللحظة الراهنة بضرورة أن تتوحد كل قوى المجتمع الدولي ضد ما تثيره من أخطار، وأن تبدأ الحرب العالمية ضد الإرهاب. ـ كاتب مصري