درج علماء الجغرافيا السياسية على التمييز بين نوعين أساسيين من ظواهر الاستيطان.الأولى: هي الاستيطان العمراني وهو نزوعٌ يتسم بطابع السلام والرغبة الإيجابية البنّاءة في تعمير مناطق كانت غير مأهولة وتحويلها إلى مواقع لإيواء البشر ومنفعة الناس. هي الظاهرة التي صاحبت تطوّر الحياة البشرية فوق كوكب الأرض في شتى مواقعه حيث ظلت الشعوب والأمم والأقوام في حال من الحركة من مكان إلى مكان بحثاً عن الموقع الأفضل من حيث الموارد والإمكانات ووعود التطور وآفاق التنمية. وقد أفضت هذه الظاهرة في أواخر القرن العشرين إلى أن أنشأت منظمة الأمم المتحدة كياناً متخصصاً يتبع أمانتها العامة وهو «مركز المستوطنات البشرية» وجعلت مقره في نيروبي عاصمة كينيا (حيث يقوم أيضاً مقر برنامج الأمم المتحدة للبيئة) وهذا المركز يعقد مؤتمرات معنية بظاهرة الاستيطان البشري ـ السلامي ـ التعميري الإيجابي والبناء وتحمل هذه المؤثرات اسمها المعروف وهو «الموئل» (عقد الموئل الثاني في اسطنبول). وهي ترجمة دقيقة وبليغة أيضاً للتعبير الافرنجي «هابيتات» المشتق في اللغة اللاتينية من مادة المثوى والمسكن وهو يصدق على الكائنات الحية، يستوي في ذلك ـ بداهة ـ النبات والحيوان والإنسان. ... أما الظاهرة الثانية: فهي الاستيطان الاستغلالي العدواني ـ الاستعماري أو الاغتصاب... إلى آخر النعوت التي تصاحب بالضرورة ـ نزوح أو هجرة أو تهجير أخلاط بشرية تتوسل بالخديعة أو التآمر أو بالهجوم السافر والعدوان الغاشم الصريح لكي تحل في أرض تخص أقواماً آخرين وتستحل السكن في تلك الأرض وقد تعمد بحكم قوانين الحركة (هل نقول وأيضاً قوانين ارشميدس الشهيرة في الإزاحة والإحلال؟) ـ إلى طرد سكان الأراضي الأصليين أو ذريتهم، أو إلى إزاحتهم لكي يتحوّلوا إما إلى لاجئين أو إلى مواطنين درجة ثانية وثالثة أو إلى الإمعان في تقتيلهم إلى درجة الإبادة الجماعية (الجينو ساد) أو إلى اتباع كل هذه الأساليب الممقوتة في آن واحد معاً. الذاكرة المعاصرة وبغير إمعان أو إبحار موغل في غياهب التراكمات التاريخية لعالمنا سواء في عصور ما قبل التاريخ المسجل والمكتوب أو فيما تلاها من عصور.. فإن الذاكرة المحدثة ـ ناهيك عن الذاكرة الجمعية المعاصرة للعالم ما زالت تحتفظ بصور وتيارات ومسافات وأحداث هذه الظاهرة الشائنة من حالات الاستيطان العدواني الاستعماري ابتداء من حروب إبادة سكان أمريكا الشمالية الأصليين ـ الهنود الحمر من أجل فسح المجال لفلول المستوطنين القادمين من بلدان غرب أوروبا منذ اكتشاف كولومبوس ثم أمريجو فسبوشي لأرض العالم الجديد في القرن الخامس عشر ـ مروراً بظاهرة الاستيطان الاستعماري الفرنسي التي كان قوامها فئة «الكولون» الذين عايشهم الجيل العربي المخضرم إذ كشروا عن أنيابهم وشحذوا أسلحة التمرد والإرهاب الاستيطاني حين بدأ رجل فرنسا التاريخي الجنرال شارل ديجول يستعد للتعاون من أجل استقلال الجزائر.. وكان ذلك في فاتح الستينيات من القرن الماضي، وبعد سبع سنوات من حرب التحرير الجزائرية وكانت إحدى ملامح الزمان المعاصر.. ولأن «الكولون» ـ المستوطنين أو المستعمرين الفرنسين كانوا قد استقروا في الجزائر منذ بداية استعمار فرنسا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، فقد توطنت فيها مصالحهم وكانت طائلة.. وتجذّرت فيها امتيازاتهم وكانت واسعة النطاق.. ومن ثم جاء حديث الاستقلال بمثابة صاعقة حطت على رؤوسهم إلى حد أن أعلنوا انقلاباً عسكرياً مسلحاً على حكومة فرنسا ـ الأم وما لبث أن أحبطه الجنرال ديجول. يصدق الشيء نفسه على الاستيطان الاستعماري البريطاني في قارة أفريقيا ـ جنوب الصحراء على وجه الخصوص.. وكان قد سبقه استيطان استعماري آخر على يد أخلاط من شعوب غرب أوروبا جاءت إلى منطقة الجنوب الأفريقي وخاصة من هولندا وعمدت على مدار قرون إلى فرض سيطرتها على الأغلبية السوداء من أبناء هذه المنطقة وحين جاء القرن العشرون فوجئ العالم في الأربعينيات على ما نذكر ـ بفرض نظام هؤلاء المستوطنين البيض تحت اسم «الابارتيد» وهو تعبير في لغة المستوطنين ـ الأفريكانو ـ يفيد معنى الفصل العنصري استناداً إلى سطوة الدولة واحتكار السلطة وقوة السلاح. وكان هؤلاء المستوطنون قد خاضوا حرباً مع بريطانيا ـ الأم نفسها كما عرفت في مفتتح القرن العشرين باسم حرب البوير تماماً كما تهيأ الكولون الفرنسيون ـ على نحو ما أسلفنا ـ لحرب فرنسا بعد ذلك التاريخ بنحو ستين عاماً آية على ان كلا الطرفين كان قد بلغ من الشوكة والنفوذ مبلغاً كبيراً. وإذا كان الكفاح الوطني في جنوب أفريقيا وآخر رموزه الشامخة هو الزعيم نيلسون مانديلا قد أفضى ـ كما هو معروف ـ إلى ميل ميزان النصفة إلى الاعتدال لصالح حكم الأغلبية الشرعية السوداء وفي ضوء تعاليم مانديلا تحت شعار الحقيقة والشرعية والمصالحة التي أتاحت بقاء المستوطنين البوير في البلاد (لم يعد لهم مكان آخر بعد قرون من الاستيطان) ـ فإن الآثار السلبية المؤلمة الناجمة عن الاستيطان الاستعماري والعنصري أيضاً ما زالت محسوسة وماثلة للعيان في بلد حديث الاستقلال مثل زمبابوي الذي شهد في الآونة الأخيرة زحفاً لسكانه من الأغلبية السوداء من الكادحين والمحرومين للاستيلاء على مزارع المستوطنين البيض (وهم إنجليز أصلاً) ما أشعل شرارات الاحتكاك ودفع بلداناً غربية متنفذة (أمريكا وانجلترا بالذات) إلى ان تهب دفاعاً عمن بقي في زمبابوي من أخلاف أو بقايا ظاهرة الاستيطان العنصري الاستغلالي التي كانت قد تخلفت عن مرحلة المد الامبريالي الذي زاد عمره الآن على 120 عاماً من عمر الزمان المعاصر (هذه الضغوط تفسرها حملة إعلاميات الغرب في أوروبا وأمريكا على زعيم زمبابوي الوطني روبرت موجابي الذي «اكتشف» القوم فجأة انه سلطان وديكتاتوري ومشروع طاغية لا يتورع عن أكل الحقوق المشروعة للاخوة المستوطنين من ذوي الأصول البريطانية التي ترجع في جذورها إلى غير المأسوف عليه سيسل رودن (1853 ـ 1902) الجد الأعلى لهذه الظاهرة المعاصرة من الاستيطان الاستعماري. الاستيطان الصهيوني بيد أن هذا النص الموجز يوصلنا بالضرورة إلى أشد ظواهر هذا الاستيطان الاستعماري العنصري ـ الاستغلالي عنفاً وشراسة وخبثاً وهي المتمثلة في حركة الاستيطان الصهيوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأيضاً في مرتفعات الجولان السوري المحتل. ونحسب أن من واجب كل محلل سياسي عربي، وربما من واجب كل مواطن عربي مهتم بالشأن القومي ـ الوطني العام ـ أن يكون لديه رصيد من المعلومات المحدثة والمحددة عن حركة الاستيطان اليهودي الصهيوني التي زادت عن سائر ما سبقها من حركات وظاهرات. المد الامبريالي الاستيطاني بأنها عمدت إلى كل الذرائع السابقة لتبرير هذا الضرب من الاستيطان المستغل فأضافت إليه ذريعة ما تسميه باسم الإرث التاريخي أو الوعد التوراتي أو الحق الرباني وحاشا لرب العباد سبحانه وتعالى أن يعطي حقاً أو يصدر وعداً لقوم بتحقيق ما تحقق على حساب تشريد وبؤس ومصادرة حياة شعوب وأقوام آخرين. وفي هذا المبحث الذي نعرض له في جزأين، نحيل إلى مصدر من عند الطرف الآخر.. ولا بأس أن نتعلم من هذا الطرف الآخر.. وأن نستقي معلومات وأرقاماً ونتعامل معها بمنطق التحليل والتمحيص لكي نضيف إلى إطارنا المرجعي زاداً جديداً أو متجدداً يصلح معه المنظور العربي الذي نطل من خلاله على الظواهر والأحداث. والحاصل انه استرعى اهتمامنا في الآونة الأخيرة دراسة نراها مهمة نشرتها في أحدث أعدادها مجلة «نيويورك تايمز ريفيو أوف بوكس» المعنية ـ كما يدل اسمها ـ بشئون الكتب والكاتبين (عدد 20 سبتمبر 2001) والمجلة ـ كما يعرف الكثيرون هي النموذج الأصلي الذي حاكته مجلة «الكتب وجهات نظر» القاهرية التي بدأت تحوز اهتمام القارئ العربي بتؤدة ورزانة ورصانة. صاحب الدراسة هو «افيشاي مرجاليت» وهو أستاذ جامعي إسرائيلي متخصص في علم التاريخ ومهتم بقضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وإذا كنا نضع هويته هذه بين قوسين فقد سمحنا لأنفسنا أن نحيل إلى دراسته وأن نقدم للقارئ ما نفيده من سطورها من احصاءات ومعلومات. ديناميات الاستيطان إن الكاتب مرجاليت يستهل دراسته المنشورة بالتأكيد على الطابع المتغير لقضية الاستيطان (الصهيوني) مشيراً إلى أنها بهذا التغيير انما تختلف عن قضايا أخرى ستاتيكية الطابع كما قد نصفها مثل حق العودة للاجئين على نحو ما تكفله القوانين والأعراف الدولية.. وعندنا أن حق العودة قائم وماثل ويمكن المطالبة به باستمرار.. ولكن الطابع المتغير لديناميكية الاستيطان الإسرائيلي يجعلها قضية أكثر التهاباً وربما أشد خطورة بحكم ما يوضحه الكاتب الإسرائيلي الذي نحيل إليه من تزايد يراه مطرداً في عدد المستوطنين وفي عدد المستوطنات (المستعمرات) وفي عدد المواقع التي يتم اختيارها وتمهيدها توطئة لفرض الاستيطان فوقها. في هذا الصدد يحق للأستاذ افيشاي مرجاليت أن يقول: ـ إن ما يدعو الفلسطينيين إلى القلق البالغ ـ ما يجدونه من زيادة نسبة 50% (!) وأكثر في عدد الوحدات السكنية (الاستيطانية) منذ توقيع اتفاق أوسلو في مثل هذه الأيام ـ سبتمبر من عام 1993. ثم يواصل الكاتب حديثه قائلاً: ـ منذ سنوات بالضبط كان هناك 33 ألف وحدة سكنية للعائلات في اطار المستوطنين وبحلول شهر يوليو عام 2000 أضيف إليها ما مجموعه 19 ألف وحدة سكنية منها ثلاثة آلاف وحدة في عهد إيهود باراك (الذي يصفونه بأنه أكثر من قدم تنازلات سخية رفضها ياسر عرفات في كامب ديفيد الثانية). بهذا تقول الاحصاءات إن لحظة توقيع اتفاق أوسلو بكل ما أحاط به من وعود السلام الوردية كان عدد المستوطنين اليهود هو 16 ألف مستوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة ونظراً لمعدل النمو السكاني البالغ 8% سنوياً.. سواء بفعل الزيادة الديمغرافية الطبيعية أو بفعل الوافدين من يهود الخارج (الروس بالذات) فإن لنا أن نفترض مع الباحث المذكور أن سبتمبر عام 2000، وهو تاريخ يحفظه الإسرائيليون جيداً بوصفه موعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية والراهنة ـ هذا التاريخ جاء ليشهد عدد هؤلاء المستوطنين (المستعمرين) وقد بلغ 200 ألف نسمة منهم 6500 مستوطن في قطاع غزة. ثم يؤكد الأستاذ مرجاليت أن عدد المستوطنات بلغ في إجماليه 195 مستوطنة منها 145 مستوطنة رسمية معترف بها إضافة إلى 50 مستوطنة غير رسمية أو فنلقل عشوائية. ولما كان من المعروف أن أهم مرافق هذا النوع من الاستيطان العدواني المزروع في أرض مغتصبة وبالتالي وسط بيئة من الرفض المعادي ـ هو الطرق السيريعة والممهدة.. فقد احتاجت هذه المستوطنات إلى شق وبناء وتعبيد هذه النوعية من الطرق ـ الالتفافية التي تشكل شبكة معقدة من الاتصالات البرية التي تربط المستوطنات بمراكز التجمعات والسلطات الإسرائيلية.. وبلغت الزيادة في هذه الطرق التي يكاد استخدامها يقتصر على المستوطنين 160 كيلومتراً في عامين فقط ليس إلا ـ عام 1997 وعام 1999 وفي مواكبة ـ كما لا يخفى عليك ـ لعهد باراك «السعيد»! ماذا يقول الفلسطينيون؟ .. أكثر من هذا. .. يعترف أستاذ التاريخ الإسرائيلي بأن هذه الاحصاءات التي استقاها من مصادر شتى على رأسها المستخلصات الاحصائية لحكومة إسرائيل وتقارير جماعات السلام الآن الإسرائيلية ومنظمة بتسليم لحقوق الإنسان ـ هذه الاحصاءات لا تزال قاصرة إن لم تكن مغلوطة في نظر الفلسطينيين ومن حقه في هذا الصدد أن نذكر له منهجه في العرض الموضوعي لرأي الشارع والمثقف والقيادة الفلسطينية.. يقول: ـ الفلسطينيون من جانبهم يعتبرون كل المدنيين اليهود الذين يعيشون في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 بوصفهم «مستوطنين» وينظرون إلى جميع الوحدات السكنية التي بنيت لهؤلاء الإسرائيليين على أنها.. مستوطنات.. وهم يضيفون إلى عدد المستوطنين عدداً آخر من اليهود المقيمين في منطقة القدس الكبرى ويبلغ 210 آلاف يهودي وبذلك يعتبر الفلسطينيون أن العدد الإجمالي للمستوطنين اليهود في الأرض الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967 يكاد يقارب نصف مليون نسمة أو على وجه الدقة 410 آلاف يهودي إسرائيلي صهيوني. نعرف (نحن العرب) أن معظم هؤلاء المستوطنين مدججون بالسلاح.. ومتقدون بالحقد المبغض على الفلسطينيين.. العرب كما يسمونهم.. فإن لنا أن نتصوّر جسامة المشكلة.. سواء من حيث الحجم أو الخطر أو احتمالات الانفجار. ـ كاتب سياسي من مصر