هناك كلمات في اللغة تشدني وأنجذب اليها، وأضعها دائما نصب عيني كما يقول البلغاء، وذلك لأسباب كثيرة أولها أن بعض هذه الكلمات يمثل علامات دالة على ما انطوى عليه من مباديء، أو ما أضعه لنفسي من ضوابط، أو ما أسعى الى تحقيقه على سبيل الحلم الذي لا يتحقق إلا بالتخطيط والانضباط. وربما كانت كلمة التخطيط مثل كلمة الانضباط في الإلحاح على وعيي، خصوصا حين أسعى الى تنفيذ هذا الجزء أو ذاك من مشروعي الثقافي الخاص، ذلك المشروع الذي وهبت له حياتي، أو كرست له - إذا شئت الدقة - أكثر هذه الحياة. ولا أحسبني حققت شيئاً من هذا المشروع الذي لا أشير اليه إلا بالتخطيط والانضباط. حياتي الجامعية كانت ولا تزال كذلك، سواء منذ أن قررت أن أدخل قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة لكي أكون مثل طه حسين، أو منذ أن تخرجت من قسم اللغة العربية وقررت أن أمضي في الطريق الجامعي معيدا ومدرسا مساعدا ومدرسا وأستاذا مساعدا وأستاذاً ورئيس قسم يجلس الى المكتب نفسه الذي قيل لي إن طه حسين كان يجلس اليه. ولا يختلف الأمر كثيرا خارج الجامعة، فالحياة كما عرفتها منذ الصغر ليست لهوا أو لعبا، وليست مزحة أو نكتة، إنها معترك، ساحة معركة، مكان للاختبار، مجال للمنافسة، حلم بالانجاز المستمر الذي لا حد لوعوده. ولذلك لم تقنعني مذاهب العبث الفلسفي التي شاعت مع الفلسفة الوجودية لبعض الوقت، أو شاعت مع النزاعات العدمية التي يمتليء بها الكثير من الكتب القديمة والجديدة. ولم تجذبني فلسفات اللامعقول أو التيارات العقلانية، خصوصا بعد أن تعلمت أن العقل هو أسمى ما خلقه الله في الإنسان. وما أكثر ما كررت لطلابي وطالباتي دلالات هذا الحديث القدسي الذي شكك في صحته بعض العلماء من أهل السلف، وهو الحديث الذي يقول: أول ما خلق الله خلق العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، قال بعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز عليّ منك، بك أثيب وبك أعاقب. ودلالة الحديث جميلة من حيث تأكيدها ما نتميز به، نحن بني الانسان، على غيرنا من مخلوقات هذا الكون التي نعرفها، فالعقل هو حجة خالقنا علينا نحن مخلوقاته، وهو أداتنا التي نعرف بها الخير فنحرص عليه، ونعرف بها الشر فنتجنبه، كأنه المنارة التي يهتدي بها الساري، أو هو النور الذي يضيء للانسان طريقه في هذه الحياة. ولم يكن من الغريب - والأمر كذلك - أن يقرن فلاسفة الاسلام العقل بالنور، وذلك على نحو ما فعل الحارث بن أسد المحاسبي الذي وصف العقل بأنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية كأنه نور يُقذف في القلب، أو على نحو ما فعل أبو بكر بن زكريا الرازي الذي وصف العقل بالنور، مؤكدا أنه إذا صفا أضاء لنا غاية إضاءته. أما الغزالي فإنه أورد الحديث القدسي الذي ذكرته برواية مختلفة، ومضى في تأكيد دلالته في كتابه «إحياء علوم الدين» بذكر ما روي من أن عبدالله بن سلام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش، وأن الملائكة قالت: يا ربنا هل خلقت شيئاً أعظم من العرش؟ قال: نعم: العقل. قالوا: وما بلغ من قدره؟ قال: هيهات لا يحاط بعلمه. هل لكم بعدد الرمل؟ قالوا: لا. قال الله عز وجل: فإني خلقت العقل أصنافا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبة، ومنهم من أعطي حبتين، ومنهم من أعطي الثلاث والأربع، ومنهم من أعطى فرقا، ومنهم من أعطي وسعا جمعا، ومنهم من أعطي أكثر من ذلك. ولا أتخيل أن رواية الغزالي لمثل ذلك كله إلا لتحقيق هدفين اثنين، أولهما: تأكيد أهمية العقل ومنحه الأولوية في المعرفة العامة والخاصة، وثانيهما: تأكيد ما يمكن أن يكون أساسا للتراتب أو التمايز بين البشر في مجالات المعرفة الانسانية، حيث تصبح قدرة العقل هي المبدأ الذي يتميز به الانسان على الانسان. ولكن قدرة العقل هذه لا يكتمل معناها إلا بإدراك لوازمها، أو بإدراك بعض ما تدفع به الى الأمام في طريق الانجاز والتقدم. وهنا تأتي أهمية التخطيط وضرورة الانضباط. التخطيط يعني الرؤية المستقبلية، كما يعني وضع الهدف المنشود أمام العقل، ليبتكر العقل خطة يصل بها الى هذا الهدف بأسرع السبل وأكثرها كفاءة في الوقت نفسه، ولا يمكن لمن يدرك دلالة التخطيط إلا أن يدرك البدء من إمكانات الواقع، وقياس هذه الامكانات على الهدف الذي نريد الوصول اليه. والذين قالوا إن السياسة هي فن الممكن، قصدوا بذلك أنها فن البحث عن الأساليب والوسائل الممكنة التي نحقق بها أهدافنا، أو التي نصل بها الى هذه الأهداف في نهاية الأمر. وكل تخطيط هو جمع حدسي بين لحظات الزمن الثلاث. لحظة الماضي بكل ما تحقق فيها، وكل ما أمكن إنجازه من قبل. ولحظة الحاضر بما تتضمنه من امكانات وتتكشف عنه من احتمالات، بوصفها نقطة البدء الذي يتحرك الى الأمام. ولحظة المستقبل التي هي لحظة الانجاز الذي يغدو بداية لانجاز آخر في لحظة تالية في تتابع الزمن. والتخطيط هو فن جمع خبرة الماضي موصولة بوعي امكانات الحاضر بقصد الوصول الى ما يقع في المستقبل الواعد بتحقيق الأحلام. ويخبرنا التاريخ أن الأمم العظيمة لم تصل الى ما وصلت اليه إلا بالتخطيط، وأن هذه الأمم لم تَلْهُ ولم تعبث بحياتها، ولم تفهم الحياة إلا بوصفها عملا متواصلا من أجل أهداف أسمى، وذلك بالقدر الذي كانت به الأهداف الأسمى بمثابة مثل أعلى لا يصل اليه الانسان إلا لينطلق منه الى ما بعده، والى ما لا نهاية له أو حّد. وبقدر ما كان التخطيط هو أداة هذه الأمم على تحقيق انجازاتها العظيمة في التاريخ وبالتاريخ، بعيدا عن احتمالات العبث أو العدم، كان التخطيط هو ضابط الايقاع في حركة هذه الأمم وأفعالها. وما ينطبق على تاريخ الأمم ينطبق على تاريخ الأفراد. وانظر حولك، تجد الأكثر نجاحا هو الأكثر قدرة على التخطيط، أي الأكثر قدرة على استبصار المستقبل الواعد، والالتفات الى ما يحمله من امكانات، ثم الانطلاق الى هذه الامكانات باستخدام كل الوسائل المتاحة. أما الأكثر فشلا فهو الذي لا يعرف فضيلة التخطيط، هو الكائن العشوائي الذي يمضي على حسب الريح، بلا قصد، ولا خطة مسبقة، ولا معرفة باحتمالات المستقبل. إنه أشبه بذلك الصعلوك البائس الذي وصفه عروة بن الورد قديما، عندما تحدث عن الصعلوك الذي ينام عشاء ثم يصبح طاويا «جائعا» ينثر الحصى عن جنبه المتعفر، ويعين نساء الحي على الأفعال الصغيرة، ويرتمي في نهاية يومه كالخيمة المتهدلة.. وهكذا دواليك الى ما لا نهاية، كأن هذا الصعلوك دابة من دواب الأرض الدنيا. وليس من الضروري أن نجد هذه الصورة البائسة حولنا، ولكن ما أكثر ما نجد بيننا من هؤلاء الذين يعيشون الحياة بلا حلم، بلا هدف أسمى، بلا عزيمة تتحول الى وقود للتخطيط بالقدر الذي لا يتحقق به التخطيط إلا بالاصرار والدأب والمتابعة والاستمرار، باختصار كل ما يدخل في معنى الانضباط. وأولئك الذين يملأون الحياة من حولنا بلا هدف أسمى، أو يولدون وفي أفواههم معالق فضية أو ذهبية أو حتى ماسية، ويعيشون معتمدين على ما ورثوا، أو على ما تجود به عليهم الحياة وليس ما ينتزعونه منها بالعزم والإصرار، أولئك هم بعض النماذج المعاصرة لذلك الصعلوك البائس الذي وصفه عروة بن الورد، ولم يفته أن يضمن صورته جمود ملامح وجهه، وترهل جسده، وانطفاء النور من عينيه، وكلها صفات سالبة في مقابل صفات الصعلوك الشجاع المحارب الذي تضيء صحيفة وجهه كما يضيء الشعاع أو تضيء الشعلة الملتهبة، والذي لا ينسى غيره، ولا يعيش لنفسه فقط، ولا يفكر في يومه إلا من حيث هذا اليوم مقدمة للغد الآتي بالنجوم الوضاءة على الكفين. هذا بعض ما تعلمته من الحياة وبعض أسباب ما حققته فيها من انجازات ايجابية. ولذلك أذكر نفسي دوما بأهمية التخطيط وضرورة الانضباط. وأحارب العشوائية في تلاميذي وأبنائي كما أحارب التسيب في سلوكهم وانجازاتهم. وربما كان ذلك هو الدافع الذي يدفعني الى أن أتوقف وتلامذتي على معاجم اللغة، لنقرأ ما ورد فيها عن التخطيط والانضباط، ونسمر حول المعاني القديمة للكلمتين لنصل الى المعاني الحديثة، فنصل بين ما قاله القدماء عن الخطة التي كانت تعني الأمر، وقولهم في رأسه خطة أي أمر من الأمور، أو قولهم فلان يبني خطط المكارم أي مقاماتها. ونعرج على ما ورد في «لسان العرب» من قولهم: خطها لنفسه خطا واختطها: وهو أن يعلم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد اختارها ليبنيها دارا، ومنه خطط الكوفة والبصرة، ومنه اختط فلان خطة إذا خطّ على موضع. أما الخطة بالضم فهي الأمر، يقال: سُمْتُه خُطة وخَسفٍ وخُطة سوء، وقال تأبط شرا الشاعر الصعلوك: هما خطّتا: إما إسار ومِنة وإما دمٌ، والقَتلُ بالحر أجدر وفي حديث الحديبية: لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم اياها. وفي حديثها أيضا: إنه قد عَرَضَ عليكم خُطة رشد فاقبلوها. أما الانضباط فهي من ضَبَطهَ ضبْطا بمعنى لزمه وقهره وقوى عليه. وضَبَط عليه بمعنى لزمه وحبسه. وتَضَبطه بمعنى أخذه على قهر وحبسه. وغير بعيد عنها ضَبَط العمل أي أتقنه وأحكمه. وفعل الانضباط قرين الحزم والشدة والإصرار، فالضبط هو الحفظ بالحزم، والضابط هو القوي في عمله. أما المنضبط في لغة زماننا فهو الشخص الذي يأخذ نفسه بالحزم والشدة والعزم، ويصر على إلزام نفسه بالخطة التي وضعها لنفسه، غير عابيء بما يمكن أن يثنيه عنها، أو بما يحول بينه وإنجازها، كما لو كان يقول لنفسه: هي خطة مستقبل واعد لا مفر من الوصول الى كل ما يسهم في تحقيق وعوده.