التطورات المتلاحقة في الارض الفلسطينية المحتلة أثبتت مجددا ان الولايات المتحدة الامريكية كانت قادرة دوما على لجم الارهاب الصهيوني حينما تريد ووقتما تريد. فالانسحاب الاسرائيلي من اراضي السلطة الفلسطينية تحقق فورا بمجرد مكالمة هاتفية بين السفاح شارون وبين وزير الخارجية الامريكي كولن باول. ولا شك ان الثاني فرض على الاول ضغوطا وضعت اسرائيل كلها في كفة ومصالح الولايات المتحدة الامريكية في كفة اخرى. فقد أثبتت الشواهد انه عندما تحين ساعة الكيل والميزان بين الطرفين فلابد ان ترجح كفة المصالح الامريكية. هذا حدث قبلا في عام 1956 عندما اجبرت اسرائيل على الانسحاب من سيناء في اعقاب العدوان الثلاثي على مصر. وحدث في عام 1991 حينما اجبرت على الذهاب الى مدريد قبل ان تلتف على العرب عن طريق أوسلو. الضغط الامريكي حدث وأتى أكله لكن ثماره لم تينع بعد اي انها لا تزال غير ناضجة. ومن هنا وجب على العرب انتهاز فرصة الضغط الأمريكي أو بالاحرى فرصة الضعف الامريكي للضغط على واشنطن وبقوة.. بقوة هائلة دون ادخار اي سلاح لكي تجبر اسرائيل على ما لم تعترف به من قبل من حقوق للشعب الفلسطيني مثل حق عودة اللاجئين وحقه في اقامة دولته على ارضه واعتبار القدس بمقدساتها كاملة جزءاً من التراب الفلسطيني، بل وعاصمة ابدية للدولة الفلسطينية. يجب على العرب قبل الدخول في أية خطوات تعاون مع واشنطن الاصرار على هذه الحقوق كاملة غير منقوصة، والافضل ان تكون مكتوبة بخط وتوقيع امريكا مثلما فعلت الحركة الصهيونية من قبل مع بريطانيا حينما ألزمتها بتحويل وعد بلفور الى وعد مكتوب وليس وعد شفاهة فقط. اذا فعل العرب ذلك فانهم يكونون قد جنبوا انفسهم مسلك التسول من الباب الامريكي، وهو المسلك الذي علمته واشنطن جيدا بل وحذقته واستطاعت عبره التلاعب بالامة العربية على مدار عقود خسر فيها العرب الكثير وكسبت اسرائيل اكثر واكثر. ولعل اخر درس لذلك هو الشهور الاحد عشر الماضية والتي قطعتها الانتفاضة قبل ان تتوقف امس لتلتقط انفاسها. فأمريكا لم تكلف نفسها عناء كبح جماح الارهاب الصهيوني ولم تترحم على شهداء الانتفاضة مثل محمد الدرة وايمان حجو وغيرهما، بل انها راحت تبرر حق اسرائيل في القتل. ولكن عدالة السماء أبت ان تستمر امريكا في غيها ومساندتها لاسرائيل فذاقت طعم الارهاب وعرفته. اليوم تريد أمريكا ان تثأر لنفسها ضد الارهاب، ونحن ايضا ضد الارهاب، ولتكن البداية في الحرب على الارهاب ضد الارهاب الصهيوني قبل غيره، وهذا ما أكدته دولة الامارات العربية المتحدة وأعلنته ايضا دول عربية كثيرة. ولا شك ان اللقاءات المكثفة للزعماء العرب امس الاول قد تناولت كل هذه التطورات ولكن بقي التنفيذ ليس فقط من جانبنا بل من جانب واشنطن القادرة دوما على وضع اسرائيل ـ عند اللزوم ـ تحت قدميها، علينا ان نفعل ما نريد وبسرعة قبل ان تعاود تل ابيب تسلق كتف العم سام كعادتها.