قبل نهاية أغسطس أصدرت مؤسسة «الحق» وهي الفرع الفلسطيني للجنة الحقوق الدولية تقريرا عن سياسة الاغتيالات التي ينفذها الكيان الصهيوني ضد الناشطين الفلسطينيين. التقرير رصد العمليات التي تمت حتى 18 أغسطس وهي 41 عملية راح ضحيتها 41 ناشطا فلسطينيا و11 ضحية آخرين. ورغم أن سياسة الاغتيالات تمثل أسوأ أشكال الجريمة المنظمة التي يقوم بها كيان سياسي يتمتع في نظر القانون الدولي بوضع الدولة ، وأنها تفضح درجة الاستهانة بالقانون الدولي والمواثيق الحقوقية الدولية، فإن لها دلالات أخرى تستحق التوقف و التأمل. في مقدمة ما يلفت النظر في الظاهرة طبيعة التركيب الجيلي للمستهدفين، فمن بين 41 شخصا استهدفهم الكيان الصهيوني نجد ما يلي: 11 شخصا يبلغ عمرهم 25 عاما وما دونها 14 شخصا بين 25 و 30 عاما 9 أشخاص بين الثلاثين و الأربعين 5 أشخاص فقط فوق الأربعين. و إذا أخذنا سن الأربعين مؤشرا على تجاوز مرحلة الشباب فإن هذا يعني أن 34 ناشطا من بين 41 هم ممن لم يتجاوزوا الأربعين من العمر. فإذا أخذنا في الاعتبار أن هؤلاء الناشطين يمثلون في نظر حكومة الكيان الصهيوني مصدر خطر كبير على أمن الكيان «ورعاياه المدنيين»، وهو ما يعني أن هذه الشريحة العمرية الشابة تمثل القوة الضاربة للانتفاضة، وأن هؤلاء قد انخرطوا في صفوف المنظمات التي ينتمون إليها في سن مبكرة جدا ما زال ينظر إليها بوصفها مرحلة تحصيل وتعلم، لا مرحلة عمل فضلا عن أن يتبوأ المنتمون إليها موقعا قياديا. فما دلالة تمتع مثل هؤلاء الشباب بهذه القدرة على التأثير؟ وإذا انتقلنا إلى الانتماءات التنظيمية للشهداء وجدناهم حسب الترتيب التنازلي: 14 ينتمون إلى جماعة حماس بينهم 11 دون الأربعين 12 من منظمة فتح اثنان منهم فقط ممن تجاوزوا الأربعين 9 من تنظيم الجهاد كلهم دون الأربعين 5 لم تحدد انتماءاتهم التنظيمية وجميعهم في الثلاثين وما دونها. وأول ما تشير إليه الأرقام أن الطبيعة الشابة للمجتمع الفلسطيني منعكسة بشكل واضح على الهيكل التنظيمي للانتفاضة، فحقيقة أن الشعب الفلسطيني من أكثر شعوب العالم خصوبة تمد حركات المقاومة الفلسطينية برصيد هائل يجمعهم، على اختلاف التنظيمات التي ينتمون إليها، أنهم في سن الشباب. وتطرح هذه الحقيقة تساؤلات بشأن العلاقة بين هرم السلطة في العالم العربي والتركيب الجيلي للمجتمعات العربية، فالشباب يشكلون في معظم هذه المجتمعات نسبة تتراوح بين 40 و60 % ورغم ذلك فإن فرصة وصول هذه الشريحة العمرية إلى مواقع التأثير في بلادها محدودة جدا وأحيانا تكون معدومة. والأوصاف التي يخلعها الإعلام الصهيوني على ضحايا الاغتيالات تقطع بأنهم ذوو أدوار بارزة في قيادة الانتفاضة وبعضهم «خبراء» في تخطيط العمليات وصناعة المفرقعات والعمل التنظيمي، وربما كان للبعد الجيلي دور في نجاحهم يستدعي أن طيلتفت علماء الاجتماع العرب لهذا البعد المغفل. وعلى قمة الهرم التنظيمي لحزب الله يجلس السيد حسن نصر الله الذي انتخب مؤخرا لولاية رابعة وهو دون الأربعين من العمر، وقد استشهد الدكتور فتحي الشقاقي مؤسس تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني بعد سنوات من قيادة التنظيم وهو في العقد الخامس من العمر، والأمثلة من ساحة المقاومة كثيرة. غير أن هذه السمة التي لفتت النظر إليها ظاهرة اغتيال نشطاء الانتفاضة لا مكان لها في الواقع العربي خارج التنظيمات ذات الصلة بمقاومة المشروع الصهيوني، فالتنظيمات العربية الأهلية (الحزبية والنقابية وما شابههما) يحكمها القانون نفسه الذي يحكم الهرم التنظيمي الرسمي: قاعدة الهرم الضخمة دون الأربعين وقمته تجاوز الستين وأحيانا السبعين في مفارقة عربية كشف عنها تقرير منظمة «الحق» دون أن يكون ذلك من أهدافه. ـ كاتب مصري