مأساة الولايات المتحدة الحقيقية تكمن في الاحساس بفرط القوة، إنها القوة الكبرى والوحيدة في العالم، ومن حقها أن تشخط وتنطر وأن تأمر وتنهي، وعلى الكل أن يسمع ويطيع.. فلا أحد في الساحة تحسب حسابه أو تقيم له وزنا.. روسيا شأنها شأن بنجلاديش، والصين لا فرق بينها وبين سيريلانكا، وبريطانيا مثل سيراليون وفرنسا وزنها كوزن تايلاند، ولذلك كان وقع الضربة التي تلقتها مؤلما للغاية، فلا أحد يصدق ما حدث، وهل يعقل أحد أن الثعلب يهاجم الأسد؟ حتى ولو كان الأسد نائما، ولكن الذي حدث فعلا أن الثعلب هاجم الأسد وهو يقظ، والسلحفاة سبقت الأرنب وهو في قمة اللياقة والنشاط، ولعل هذا الموقف الغريب هو الذي سيجعل رد الفعل عنيفا الى الحد الذي يجعلني أرتعد خوفا على مصير كوكب الأرض، والاحساس بفرط القوة إذا لم يكن محكوما بفرط الحكمة تكون النتيجة هي الخراب المستعجل. وأي صاحب مفهومية يمكنه التكهن بنتيجة أي صراع على الأرض مع أفغانستان، لأن أفغانستان ليس لديها ما تخسره، إنها في الوضع المناسب لكسب أي صراع، وضع الفقر والجدعنة و.. يا مولاي كما خلقتني.. ولكن هل تتحمل القوة الأعظم أي كبوة أخرى في صراعها مع الفقراء الضعفاء؟ و.. هل تلجأ القوة الأعظم الى استخدام السلاح النووي؟ ومن يضمن سلامة الجرة في كل مرة؟ خصوصا وأفغانستان جارة لداغستان وطاجيكستان من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ولروسيا قواعد نووية على أرضها، ثم أفغانستان على مسافة فركة كعب مع الصين، فمن يضمن بقاء الصين هادئة ساكنة بينما الجيش الأمريكي يصول ويجول على مسافة حجر من أرضها؟ إنه موقف صعب للغاية كما أنها ورطة حقيقية قد تجد القوة الأعظم نفسها مضطرة للخروج منها الى إطفاء جميع الأنوار في المنطقة فتضرب ايران والعراق واليمن ولبنان، وقد يتسع الضرب فيشمل ليبيا والسودان، وهل تنجو سوريا من جنون البقر؟ هذا مع الاعتراف بأن ما حدث في نيويورك وواشنطن فظيع فظيع فظيع، وتستطيع تكرار الكلمة مائة مرة، هذا مع الاعتراف بأن الفاعل مجهول حتى هذه اللحظة، فليس هناك دليل واحد على أن الفاعل هو أسامة بن لادن أو أي مسلم آخر، واذا كانت أجهزة أمريكا بجلالة قدرها والتي تزعم أنها تسمع دبة النملة في صحراء كالاهاري لم تتوصل الى معرفة الفاعل.. فمن يستطيع؟ واذا كان الفاعل لا يزال مجهولا، فعلى من تشن أمريكا الحرب؟ هل تشن الحرب على طواحين الهواء؟ واذا كان هدف أمريكا كما يعلن قادتها هي القضاء على أسامة بن لادن والقضاء على تنظيم القاعدة، فمن يضمن وسط هذه الهجمة الشرسة عدم ظهور مائة أسامة بن لادن ومائة تنظيم قاعدة وقمة أيضا. إن منظر الشعب الباكستاني الغاضب تثبت أن الحرب ضد المسلمين سيكون لها نتائج عكسية، وقلبي مع الجنرال مشرف حاكم باكستان الذي يجد نفسه في مأزق لا يحسد عليه، والمطلوب الآن مزيد من الحكمة لمعالجة هذا الأمر، وللخروج من هذا الوضع المتوتر، خصوصا بعد أن أفتى علماء الدين في أفغانستان بأن الجهاد فرض عين على كل مسلم، وردت أمريكا بسحب كل مواطنيها من باكستان وهي أدلة على أن الضربة القادمة أصبحت وشيكة، أما متى تقع الضربة وأين تقع؟ فهذا سر لا أحد يعرفه إلا القيادة الأمريكية. والآن.. هل نحن فعلا على أبواب جهنم، هل تتحقق مقولة جدي الشيخ محمد أن الدنيا تؤلف ولا تؤلفان، أي أن الدنيا لن تتجاوز سنة ألفين، أين عقلاء العالم؟ وهل لا يزال في العالم عقلاء؟ وهل هناك مخرج من هذه الورطة؟ صلوا من أجل سلامة العالم وسلامة الجنس البشري!