من عرف الاسلام على حقيقته تأكد تمام التأكد أن ما هَزّ أمريكا من تفجيرات لا يمثل الاسلام حتى وان وقع من مسلمين، لأن الاسلام من أبرز مبادئه العدل الذي يؤكده بآياته السماوية التي حفظها المسلمون عن غيب يتلونها ليل نهار يقولون، «لا يجرمَنّكم شَنآنُ قومٍ على الاّ تعدلوا إعدلوا هو أقربُ للتقوى» فشطَطُ الاعداء وزيغهم لا يعني عند المسلمين الشطط المقابل بل يعني العدل وإن ظَلَم الآخرون. ولكن ما الذي يدفع الانسان إلى الشطط والتطرف أحياناً، إن ما يدفعه ليس الاسلام فحاشا الاسلام ومبادئه إن ما قد يدفعه الى ذلك عدم قدرته على تحمل الظلم وتبعاته والصبر عليه والتعامل معه تعامل العقلاء لذلك يزيغ كثير ممن يعرفون الحق عن الحق لأنهم لا طاقة لهم على تحمله تماماً كما لا يطيق بعض المرضى تحمل الدواء المر. ومن كان يتصور للحظة ما ان تكون أكبر ضربة في العالم واوجع ضربة في بداية القرن الحادي والعشرين من نصيب اقوى دول العالم امريكا لا أظن احدا كان يتصور ذلك، إن الامر يشبه احد افلام الخيال التي طالما صنعتها امريكا نفسها لتثبتَ أنها قادرة على صَدّ أية هجمة عليها مهما كانت شرسة فلطالما رأينا النموذج الامريكي قادراً على الانتصار في النهاية وان ذلك لم يكن بالجديد بل هو قديم جداً. فنحن ومنذ الصغر كنا واقعين تحت تأثير صناعة السينما الامريكية التي دأبت على صنع النموذج الامريكي المنتصر دائما في عدة اشكال وعلى عدة وجوه وأساليب مختلفة موجهة لكل الفئات العمرية كباراً وصغاراً وللجنسين رجالاً ونساءً. ولو شئنا ان نُعَدّدَ ذلك فإننا لا ننسى منذ سنوات تلك المسلسلات الامريكية الطويلة التي لا تنتهي من مثل ذلك المسلسل الحربي، الذي نشأنا عليه نحن مواليد الستينيات ومن قبلنا وبعدنا من الاجيال، انه مسلسل جحيم المعركة ذلك المسلسل الذي كنا نتابعه في امسيات الصيف الرطبة في بيت من بيوت الحي القديم ذلك البيت الثري نسبياً بالنسبة لنا لأنه يملك تلفزيونا يجتمع حوله بعض أهل الحي واطفاله وتملؤ عيونهم الدهشة من ذلك الصندوق العجيب الذي ينقل اليهم «جحيم المعركة» وكأنهم يرونها رأي العين. كان «جحيم المعركة» دروساً مسائية نتلقاها فنطبق بعضها في اليوم التالي ونحن نلعب في الحي فنشكل بيننا نحن الاطفال فريقين احدهما يمثل الجيش الامريكي والآخر يمثل الجيش الألماني او الياباني المعادي وندير معركة بأكياس الرمل نتقاذفها تنتهي بتراب يملؤ رؤوسنا وثيابنا عند صلاة المغرب. وذلك درس طفولي كنا نطبقه لاعبين وقد انتهى بانتهاء عهد الطفولة. اما الدروس التي مازالت عالقة في ذاكرتنا فهي دروس وانطباعات لا تنسى، منها الانطباع بأن النموذج الامريكي نموذج خارق لا يقهر ولا يكسر وان اللغة الانجليزية هي اللغة الاجمل والافضل من لغة اعدائها الألمان واليابانيين وذلك امر لم يقله مسلسل «جحيم المعركة» ولكنه امر طبيعي وقناعة لابد منها لأنها سمات مرتبطة بالمنتصر القوي ذي الشخصية النبيلة او بتعبير امريكي مازال طازجاً اطلقته امريكا قبل ايام على جيشها العازم على غزو الارهاب «النسر النبيل». وهكذا كان انطباعنا تباعا بعد كل درس امريكي تلفزيوني او سينمائي «الرجل الخارق - المرأة الخارقة الرجل الاخضر - المسلسل الطويل دالاس - أفلام رامبو» وغيرها وغيرها الكثير. كل ذلك كان يرسخ في اذهاننا تلك الفكرة الخارقة عن النموذج الامريكي الذي لا يقهر، ذلك النموذج النبيل السامي الذي لا نصدق الا انه نبيل حتى وإن دعم وساند اليهود وجعل جناحي «النسر النبيل» في خدمة دولة اليهود الارهابية. ولكن الأمر هل يستمر كذلك والى متى يستمر كذلك؟ حتى بعد ان جاءت الضربة الحقيقية التي تشبه الأفلام الامريكية وكسرت ذلك النموذج الذي لا يقهر وهزت صورته في عقر داره. الامر اذن ليس على اطلاقه والقوة التي لا تقهر لن تظل كذلك، هكذا هي الدنيا الكل لابد له من نقطة ضعف، الكل مجتمعات انسانية لها نقاط ضعفها ولها هناتها التي يدخل عليها منها واذا ما تم الشيء كان ذلك بداية نقصانه واذا ما ارتفع الانسان الى القمة لابد له من نزول ولكم كان شاعرنا العربي حكيما حين قال: لكل شيءٍ اذا ما تم نقصان فلا يُغَرّ بطيب العيش إنسان وان ذلك لدرس عظيم لو وعيه العالم وليس الامريكان وحدهم لعرفوا ان القوة ليست في السيطرة على العالم بقوة السلاح ولكن القوة ان تكون نموذجاً يحبه العالم ويقتدي به وليس في يدك سلاح والشر لا يأتي الا بالشر والعنف لا يولد الا العنف والظلم ضد العدل والعدل اساس الملك والملك الظالم لا دوام له ومن عدل امن ومن كال بمكيالين كان ظالماً ومن ظلم نام وترك أعين المظلومين ترصده لا تنام.