كلمات الرئيس بوش قوية: «اننا في حالة حرب. لقد نفذ ارهابيون عملية حربية ضد الولايات المتحدة. وسنرد حسبما تمليه الظروف». «سنعثر على الذين ارتكبوا العملية وسنخرجهم من اوكارهم... وسنجعلهم يمثلون امام القضاء». اجل.. كلمات قوية لكنها لا تجيب على السؤال الاساسي: من هم اولئك الذين يتوعدهم الرئيس؟ فرغم مظاهرة الاستجوابات والمداهمات والاحتجازات التي يشارك فيها اربعة آلاف من ضباط «مكتب التحقيقات الفيدرالي» يعاونهم ثلاثة آلاف من الموظفين المساعدين، ورغم ما يدلي به من سيل لا ينقطع من البيانات والتصريحات والتسريبات، يبقى اولئك العشرات من المشتبه بهم مجرد مشتبه بهم.. اي ابرياء في نظر القانون. البينة على من ادعى. هذه هي القاعدة الازلية في كل زمان ومكان لتسيير آلة العدالة. والرئيس الامريكي حين يخاطب شعبه بتلك الكلمات القوية فإنه في الوقت نفسه لا يملك اي دليل قانوني ـ حتى الآن ـ ضد اي فرد او اي جماعة او اي دولة. فعلى من «ترد» امريكا. وعلى من «تعثر» ومن اولئك الذين «سنخرجهم من أوكارهم».. وأي اوكار؟ هناك ثلاث جهات تقع في دائرة الاشتباه الامريكي: مجموعة من الشبان العرب الذين يقال انهم اختطفوا اربع طائرات تجارية داخل الولايات المتحدة واندفعوا بها صوب اهداف امريكية في نيويورك وواشنطن، رغم ان احداها تحطمت دون ان تبلغ هدفها. الجهة الثانية المشتبه بها هي اسامة بن لادن وشبكته (ان كان له شبكة). والجهة الثالثة هي حكومة طالبان الافغانية. وما يقع على عاتق مكتب التحقيقات الامريكي هو العثور على ادلة قاطعة تصلح لادانة كل من هذه الجهات الثلاث قانونا. والى ان ينجز رجال التحقيق هذا الاثبات القانوني فإن كل ما يصدر عن الرئيس الامريكي وأعوانه من توعدات خاصة ضد اسامة بن لادن وحكومة طالبان، تظل بلا اي معنى. ان الديمقراطية التي يقول الرئيس بوش ان مدبري ومنفذي الهجمات الارهابية ارادوا تقويضها في امريكا، تعني اول ما تعني مبدأ سيادة القانون.. وليس سيادة الهوى السياسي او الهوى الذاتي. وتأسيسا على مبدأ سيادة القانون فإن جهاز التحقيق الامريكي مطالب بتوفير ادلة قانونية قاطعة لاثبات ما يلي: ـ ان الشبان العرب الذين توزعوا على الطائرات التجارية الاربع هم المسئولون فعلا عن اختطاف تلك الطائرات... هم بالذات وليس غيرهم من الركاب الآخرين. ـ ان مجموعة الاشخاص الذين نفذوا العملية سواء كانوا عربا او غير عرب على صلة تدبيرية اجرامية مع اسامة بن لادن بحيث يمكن ان يقال قانونيا ـ وليس سياسيا ـ ان ابن لادن هو العقل المدبر. ـ ان حكومة طالبان في افغانستان شاركت ابن لادن في التدبير او ساعدته او سمحت له بصورة او بأخرى. ورغم ان المحققين الامريكيين مازالوا منهمكين في تحرياتهم دون ان يتوصلوا الى اي ادلة نهائية، فإن الغريب حقا ان الرئيس الامريكي ومعاونيه يتحدثون عن ابن لادن وحكام افغانستان كما لو كانوا مدانين قانونيا لا مجرد مشتبه بهم. والأغرب من ذلك ان ينتقل المسئولون الامريكيون بناء على معطيات اشتباه فقط لا اكثر، من دائرة القول الى دائرة الفعل فيجري تجهيز لشن هجوم انتقامي ضد افغانستان. ماذا يعني ذلك؟ انه يعني اولا ان هناك نوايا مبيتة ضد افغانستان سواء ادانها القانون او برأها.. وثانيا ان من حق العالم ان يتشكك في نزاهة اجهزة العدالة الامريكية، وبالتالي في مدى صحة ما تتوصل اليه من نتائج.