أدان العالم كله حوادث الاعتداء التي تمت على كل من مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن ندين بشدة أي عمل يتهدد حياة الأبرياء أيا كان مصدره وأيا كانت دوافعه، ولقد كانت مصر سباقة في هذا المضمار حين طالبت منذ سنوات عديدة بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب، وحين ذاك حذرت مصر من أن هذه الظاهرة لا تقتصر في تهديدها على دولة بعينها، وانما هي ظاهرة مستفحلة يجب أن يتعاون المجتمع الدولي في مواجهتها. ولعل المفاجأة والدهشة التي صاحبت الاعتداءات الأخيرة على بعض المواقع في الولايات المتحدة الأمريكية، مبعثها أن الهجوم هذه المرة قد تم وبشكل واسع على أراضي أعظم دولة في الكون، وتم تخطيطه وتنفيذه بدقة وبراعة تفوقت على كل الاجراءات والوسائل المتقدمة التي لا تتوافر سوى لهذه الدولة العظمى، بل وتم توجيه الضربات الى رموز ذات معنى،فلقد تم تدمير برجين من أهم معالم أمريكا، وهما مركز التجارة العالمي، واصابة البنتاجون الذي يمثل مركز القيادة العسكري، أي أبرز رموز أمريكا المعاصرة. وكانت المفاجأة والدهشة مقترنة بالذهول لدى المواطنين الأمريكيين، ففي الوقت الذي أعلنت فيه الإدارة الأمريكية عزمها على المضي قدما في برنامج حرب النجوم، ووقفت موقفا انعزلت فيه حتى عن حلفائها في أوروبا، بحجة أنها توفر الحماية لمواطنيها، في هذا التوقيت تجيء الضربة القاسية، ليس من صاروخ عابر للقارات، أو من طائرة بعيدة المدى، أو من أي نجم من النجوم، وانما من طائرات أمريكية تقلع وتحلق في سماء أمريكية وعلى أراض أمريكية. حديث العقل وإذا كان الهدف الأول لأي حكومة في العالم هو توفير الحماية لمواطنيها، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف يتم اعداد واتخاذ القرارات السياسية المختلفة، فإن ماحدث يعني في المقام الأول فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق هذا الهدف الأول، وهو يعني ضمنيا اخفاق السياسات التي تتبعها هذه الإدارة والتي أدت الى تلك الخسارة الفادحة، ولعل ذلك هو المفتاح الحقيقي لفهم ما حدث ولماذا، والأهم معرفة كيفية تفادي تكرار ذلك في المستقبل. وحتى كتابة هذه السطور لم تتضح بالكامل معالم الكارثة التي ألمت بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية بإمكانياتها العظمى سوف تتمكن من التوصل الى اسماء مرتكبي تلك الأعمال، كما أنه من المؤكد أيضا انها بنفس الإمكانيات سوف توجه ضربات انتقامية موجعة الى كل من ساهم فيها سواء كأشخاص أو منظمات أو دول، وسواء كانت تلك المساهمات عمدية أو غير عمدية.. نعم تستطيع أن تفعل ذلك وأكثر منه، وذلك بالفعل هو ماتردد في الأوساط الأمريكية مباشرة بعد تلك الحوادث سواء من المواطنين أو رجال الحكم والإدارة، فالحديث الغالب هو (رغبة الانتقام). ولكن لابد أن يكون للعقل حديث آخر، يكبح فوران العواطف ويزيل غشاوة الغضب عن العيون، ولا يكون ذلك الا بطرح اسئلة منطقية ومحاولة الاجابة عنها. فعلى سبيل المثال هل يمكن لأحد أن يفسر استهداف أمريكا ومصالحها في العالم، ليس فقط من خلال أسامة بن لادن بل ومن خلال العديد من القوى والتوجهات السياسية حتى في داخل الولايات المتحدة نفسها (وحادث تفجير مبنى أوكلاهوما أبرز مثال؟) هل يمكن الاكتفاء بالتبرير الرسمي الذي يتبنى فكرة أن أمريكا بوصفها أكبر حامٍ للحرية وحقوق الإنسان مستهدفة من اعداء الحرية وتلك الحقوق؟ واذا كان كذلك، فكيف يمكن فهم انعزال أمريكا فقط ومعها اسرائيل بانسحابها من المؤتمر الدولي لمناهضة التفرقة العنصرية الذي عقد أخيرا في دوربان؟ كيف يتماشى ذلك مع الاعلان الرسمي بأن استخدام اسرائيل للطائرات العسكرية الأمريكية في قتل الشعب الفلسطيني لا يتعارض مع القوانين الأمريكية؟ أليست انتفاضة الشعب الفلسطيني دفاعا عن حريته وعن حقوق الإنسان؟ هل يمكن قبول تلك الحجج في الوقت الذي يموت فيه آلاف الأطفال العراقيين سنويا بسبب أوضاع الحصار في العراق الذي تصر عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ مايزيد على عشرة أعوام؟ هل توصل أحد الى الدوافع الحقيقية لأولئك الذين يقدمون على تلك الأعمال الانتحارية؟ ماالذي دار مثلا في عقل ذلك الإنسان الذي قاد الطائرة كي يدمر نفسه ومعه آخرين؟ فمن المعروف أن الحرص على الحياة هو شعور غريزي لدى كل إنسان، ولا يتخلى الإنسان عن هذا الشعور الا من أجل قيمة تعلو لديه الحياة ذاتها، أو اذا كان قد يئس من جدوى الحياة. هل يكفي أن نتهم هؤلاء بأوصاف القتلة والمجانين والحمقى؟ أم أن الواجب يقتضي بحث الأسباب الحقيقية وراء ذلك ومحاولة التغلب على هذه الأسباب؟! لقد تصاعدت أصابع الاتهام الى أسامة بن لادن، وتوالت التحليلات التي تؤكد أنه العدو رقم واحد لأمريكا، ورغم انه من الطريف أن يصبح شخص واحد في مواجهة أعظم دولة في العالم، ورغم أن ذلك يمنح لهذا الشخص قوة معنوية اضافية، فأن تلك التحليلات قد غفلت أو تغافلت عن أن (أسامة بن لادن) هو صناعة أمريكية، وأن حركة (المجاهدين الأفغان) تلقت تدريباتها وتعاليمها الأولى على أيدى خبراء المخابرات المركزية الأمريكية، حيث وضعوا معادلة (الدين ضد الكفر) اثناء احتلال السوفييت لأفغانستان، لقد صنعت أمريكا الوحش ثم ولولت حين استدار عليها. ولم تكن تلك هي المرة الأولى أو الأخيرة، فلعلنا لا نزال نذكر أصابع المخابرات الأمريكية في الانقلاب على مصدق في إيران، وفي الهند الصينية، وفي جواتيمالا، وشيلي ونيكاراجوا وغيرها من بلاد العالم، وماتخلف عن ذلك من ملايين الضحايا الأبرياء، والدمار والمعاناة.. وكان لابد لأمريكا أن تجني ثمار بعض ماحصدت، وللأسف فإن الأبرياء المساكين هم الذين يدفعون الثمن. نبرة صليبية الا أن أخطر مانلاحظه هذه الأيام هو ارتفاع نبرة عصبية تحاول الصاق تهمة الارهاب بالعرب والمسلمين، فنجد من يتحدث عن (الحرب المؤكدة بين الحضارة الغربية المسيحية اليهودية، وبين الارهاب العربي الاسلامي)، ويدق البعض الآخر طبول الحرب ويحدد دولا بعينها في الشرق الأوسط مطالبا بشن حرب لتدميرها، ووصل الأمر بمحلل سياسي اسرائيلي استضافته احدى شبكات التلفزيون الأمريكية أن يقارن بين دور أمريكا في القضاء على الإرهاب الألماني والياباني في الحرب العالمية الثانية، وبين دورها الحتمي في القضاء على الإرهاب العربي الاسلامي. وهكذا.. بدلا من الدعوة العاقلة الى الحوار بين الحضارات، نجد نبرة الاستعلاء والغرور التي تباهي بالحضارة الغربية، ولعلنا هنا نتساءل عما هو المقصود بالحضارة الغربية؟ هل هي تلك الحضارة التي استحلت لنفسها استعباد شعوب العالم الثالث ونهب ثرواتها خلال الحقبة الاستعمارية الطويلة؟ أم أنها تلك الحضارة التي مارست التفرقة العنصرية ولا تزال تمارسها حتى اليوم لأسباب تتعلق باللون والجنس والدين؟ لقد كانت أكثر حروب التاريخ دموية هي حروب تلك الحضارة الغربية، ولعل صورة مدينتي هيروشيما وناجازاكي لا تزال ماثلة امام العيون حتى الآن.. وعلى أي حال نحن لا نريد فتح جراح الماضي ولكن نريد أن ننظر الى المستقبل، كما اننا نعرف جيدا تلك الأصابع المشوهة التي تغذي هذه النيران كي تشعل العالم كله وهي فئة ضالة تريد أن تحقق انتقامها الرخيص من البشرية، على اعتبار أن العالم كله قد ارتكب مظالم عديدة في حقها منذ ميلاد المسيح، ويجب أن يدفع الثمن. أن ذلك وغيره كثير يتطلب من الإدارة الأمريكية أن تراجع مجمل سياساتها، ولا ينبغي أن تتردد في ذلك خشية اتهامها بالخضوع لابتزاز الارهاب، لأن أمريكا شاءت ذلك أم أبت مسئولة بشكل أو بآخر ـ بحكم دورها التاريخي ـ عن المظالم التي تعاني منها شعوب العالم المعاصر، ولا شك أن الفارق كبير بين مايحققه غرور القوة، وبين امكانيات القوة، فغرور القوة كان الوصفة التي لم يكتبها الاعداء وانما طبقتها الامبراطوريات العظمى التي زالت من سجل التاريخ، بينما امكانيات القوة تتيح بالتوظيف الجيد تحقيق أكبر قدر من السلام والأمن والاستقرار لمن يمتلكها، فإذا كانت كلمة (القوة) هي الجناح الأول، فإن كلمة (العدل) هنا هي الجناح الثاني الذي يمكن طائر الحرية والأمان من التحليق. وإذا كان الغبار ودخان الحرائق في نيويورك وواشنطن قد أخفى بعض الحقائق، واذا كانت الدموع والأحزان قد أطلقت سراح انفعالات الغضب ورغبة الانتقام، فإنه بعد أن يخمد الغبار وتنطفئ الحرائق وتجف الدموع، لابد للعقل أن يستعيد موقعه، ولابد من استخلاص الدرس والعبر قبل فوات الآوان. ـ كاتب مصري