بصرف النظر عن معركة البيان الختامي الرسمي التوافقي، الذي صدر عن قمة دوربان، الذي قادته الوفود الغربية، والذي لم يلق ترحيباً كما جرت العادة، به عند المجموعة الإسلامية والعربية، خاصة في الشق الذي يتعلق بقضية الشرق الأوسط، والصراع العربي - الإسرائيلي، الذي ساوى بين الضحية و الجلاد، وتجنب حتى مجرد إدانة اسرائيل، أو تسميتها كقوة احتلالية على الأرض، بفعل الضغوط الهائلة والكبيرة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واستراليا وكندا، والتي تميزت جميعها بالابتزاز تارة والتهديد غير المسبوق تارة أخرى. لا بد من الاعتراف أن هذا المؤتمر يعتبر بالنسبة لصانع السياسة العربية بخاصة وللقوى السياسية والفعاليات الاقتصادية - الاجتماعية العربية بعامة، من أكبر الدروس والعبر لجهة كيفية بناء العلاقات العربية - العربية، والعلاقات العربية - الدولية، التي أثبتت بشكل مكشوف لا لبس فيه، ضبابيتها وهشاشة الروابط القائمة على أساسها هذه العلاقات، بفعل المواقف العربية غير الموحدة أصلاً، وانطلاقاً من المواقف الغربية التي كانت ملتبسة بعض الشيء فيما مضى، وتوضحت بأبشع، أو بأوضح صورها في هذا المؤتمر، والأمر سيان، بتجاهلها وبشكل متعمد القضايا العربية جملة وتفصيلاً، ضاربة عرض الحائط كل المصالح البينية الواسعة، التي تربط دولنا العربية بالغرب، وما لحقها من شعارات وهمية لا تمتلك أسس واقعية أو موضوعية حتى، أقلها التفاعل بين الشعوب وحوار الحضارات وما إلى ذلك من هذا القبيل. فعلى الرغم من الحاجة الغربية الكبيرة والماسة، لخيراتنا وما تنتجه من ريعية وأرباح هائلة تصب في مصلحته بشكل مباشر ودون وسيط، وأسواقنا الواسعة والمفتوحة على مصراعيها لتصريف منتجاته، لم يتوقف للتفكير لحظة أمام كل هذه القضايا مجتمعة، عندما قربت لحظة الحقيقة التي تمثلت في إدانة اسرائيل، وحوّل المؤتمر بعد ذلك، وبقدرة قادر، لحفلة من العزاء الرفيع للتباكي على قتلى اليهود على أيدي النازية «الهولوكوست» بعد أكثر من خمسين عاماً، وكأن شيئاً ما يقول بضرورة تعويض اليهود وتعويم هذه القضية عالمياً باعتبار العالم بأسره المسئول عن عذاباتهم، وتدفيعه إتاوة أو فاتورة، لم يكن له شركاً فيها، نيابة عن الأوروبيين الذين مارسوا هذا الصنف من التمييز ضد اليهود وغيرهم على أساس عرقي عنصري والتي تمثلت بالمحرقة النازية. وساحة نزال وإشهار للقوة، لمن قد تسول له نفسه، وتحديداً من العرب والمسلمين الذين قد يشهرون سيف العداء للسامية، بل والأخطر من ذلك أن سامية العرب اعتبرت من خلال حلبة الصراع في قاعات المؤتمر وأروقته، شكلاً ادعائياً مشبوهاً وطارئاً، قياساً بسامية اليهودي الأصيلة، باعتبارها ماركة مسجلة، حتى وإن كان هذا اليهودي بولوني أو روسي أو آري. إلا أننا وبالمقابل لابد من الاعتراف، بأن المؤتمر بما احتواه وما صدر عنه عبر فعالياته العربية والإسلامية والإفريقية النشطة، خطوة هامة بالاتجاه الصحيح، أعادت الاعتبار من جديد الثقة النسبية بالنفس العربية، استناداً إلى الإمكانيات والقدرات التي يتحلى بها العرب دون غيرهم بسبب جملة الأسلحة التي يمتلكونها على الصعيد الجيوسياسي والاقتصادي، وما إلى غير ذلك من أسلحة هامة، لا تقل في أهميتها عن ما ذكر ؛والتي ما تزال في جعبتهم رغم الضعف الذي يلفهم، بسبب غياب التنسيق الدائم والتوافق على الخطوط العريضة، التي يسميها البعض الحد الأدنى الموضوعي. والاهم من ذلك كله، أنه بات لزاماً علينا، الاستفادة القصوى من جملة الدروس والعبر التي أفرزتها سبع أيام وما ينيف بلياليها من الصراع المتواصل، بالإضافة لما سبقه من سنوات عجاف طاولت الحق العربي، والتي تتلخص في ما يلي : أولاً : ضرورة الإقلاع عن ما يسمى بالصداقات الدائمة والعداوات الدائمة، والعودة مرة أخرى إلى اعتبار أن كل العلاقات الدولية المعافاة، كانت وما تزال حتى هذه اللحظة، تقوم على أساس من توازن المصالح بين الدول المتعاقدة وعلى أساس سياسي، وليس على أساس الصفقة التجارية التي تعتبر غايتها الوحيدة، الربح والريعية من جهة والخسارة من جهة أخرى، والتي في حقيقة الأمر، لا تمت للعمل السياسي أو الدبلوماسي بأي رابط يذكر. والعودة مرة أخرى إلى البديهيات، والتي تعتبر أن السياسة اقتصاد مكثف وليس العكس من ذلك، وأن الفصل التعسفي بين طرفي المعادلة، زاد الموقف العربي ضعفاً، أمام الشركاء الدوليين، باعتبار أن نمو العلاقات وارتقائها خاضع بالضرورة إلى الأخذ بالحسبان المصالح السياسية قبل غيرها. ودون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة، لنعود بعد ذلك نقف على الأطلال، لنتغنى بعهود مضت وارتحلت، ولننتظر محفل آخر لنعيد الكرة ونحن نحمل على أكتافنا نفس الأمراض السابقة. ثانياً : علينا الاعتراف، بأن مرحلة المحاور الدولية والحرب الباردة قد ولت إلى غير رجعة، وأن ظهورنا أصبحت مكشوفة للعراء، وهذا الأمر بكل ما يزفه لنا من خطورة، يتطلب رسم سياسة عربية توافقية، تأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الدول العربية المتعاقدة، بلا استثناء، وتؤسس لتصحيح جملة العلاقات التي أفرزتها مرحلة المحاور والحرب الباردة، مع الشركاء الإقليميين والدوليين. وأن يكون هذا التصحيح مرتكز أولاً وأخيراً إلى رؤية سياسية واضحة وعامة، تأخذ بعين الاعتبار جملة المتطلبات العربية باعتبارها حزمة واحدة، وليس تقسيطاً كما يجري العمل حالياً، لان اليد السفلى، ليس فقط بأنها لا تصنع نصراً، بل أيضاً لا تبنى مجداً أو مجتمعاً. ولهذا أصبح نظامنا السياسي الرسمي مستهدفاً، كما مجتمعاتنا وما تحتويه من مؤسسات مدنية وحكومية على حد سواء، والتي باتت عرضة للتبديد والتفسخ، من خلال الشعارات المسمومة التي يسهر على توريدها لنا الآخر، الذي نقيم معه العلاقات السياسية والاقتصادية بلا حساب أو خطة أو مطلب، ليس بهدف الارتقاء بنظمنا السياسية - الإدارية، والارتقاء بحياتنا، بل بهدف القضاء على ما تبقى لنا من وحدة سياسية واجتماعية، على الأرض التي نعيش. وعلى ما يبدو أن الغرب استمرأ لعبة التوتسي والهوتو الأفريقية، وأصبحت هذه اللعبة التجربة الأمثولة التي قد يزفها الغرب لمجتمعاتنا، في اللحظة التي يراها مناسبة، على العكس تماماً من وجهة النظر المحلية، التي تزعم أن الغرب له مصلحة في وحدة أقطارنا على الصعيد الداخلي، انطلاقاً من مصالحه. وإلا إذا كان الأمر غير ذلك، ما الذي دفع الاتحاد الأوروبي واستراليا وكندا لاستخدام اعتى وأعلى أشكال الابتزاز والتهديد، المدعوم أمريكياً؟!!! ثالثاً : بالمقابل علينا الارتقاء بأوضاعنا الداخلية التي تؤهلنا، للتوصل لمستوى بناء العلاقات مع المنظمات غير الحكومية، التي عبرت من خلال فعالياتها، عن مدى حرصها عن الدفاع عن القضايا الإنسانية بشكل عام، وعن القضية العربية بشكل خاص، ولعل الخمسة آلاف منظمة أهلية التي حضرت إلى دوربان وما اتخذته من مواقف ضد الاحتلال الإسرائيلي والتمييز العنصري والعرقي وغيره، والتي كانت غالبيتها من الدول الغربية، تؤكد على إمكانية العمل من أجل التغيير من داخل المجتمع الغربي. لكن شرط هذا العمل الناجز، يتأتى من خلال سياسات توافقية عربية نشطة وتصالحيه بين المؤسسات الحكومية والأهلية، تؤدي إلى إقناع الآخر الأوروبي بقضايانا العادلة والمحقة. كما يتوجب علينا الإقلاع عن لعبة التحفظ، التي أصبحت مؤخراً سمة العمل السياسي العربي، على الصعيدين العربي - العربي، والعربي - الدولي، لان التحفظ في المحافل الدولية لا يمتلك أية قيمة لفقدانه بالأصل قوة الإلزام، وأن السياسات العربية القلقة، وغير الموحدة هي ذاتها التي تدفع الوفود العربية على الدوام، وبشكل منفرد إلى استخدام مثل هذه الأسلحة الخاسرة سلفاً. رابعاً : والاهم من كل ما سبق، بات يتوجب علينا، أن نعيد النظر في مؤسساتنا الجامعة وأطرها، بغية وضع خطط عمل واجتراح الحلول لكل القضايا العالقة عربياً وإقليمياً ودولياً، وأن يعاد النظر بضرورة إلزامية هذه الخطط والقرارات، على أساس، وكما أسلفنا، من الحفاظ على مصالح الدول المتعاقدة، ودون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة، لا طائل منها، سوى عقد المؤتمرات والاجتماعات والمهرجانات. وأن تأخذ هذه الدول فرادى وجماعات وتكتلات من خلال علاقاتها الثنائية مع الآخر، المصلحة العربية المشتركة على محمل من الجد، لان الحلول الفردية، أو كما يقول البعض القطرية، أثبتت عجزها تماماً، وأن نتائج دوربان المخيبة للآمال العربية ولو بشكل نسبي ،كانت بسبب المواقف القطرية والحسابات الضيقة. ولو كان الأمر خلاف ذلك فعلاً، لماذا تجرأت الدول المانحة بالضغط علناً على الفلسطينيين، وتهديدهم بقطع المعونات والمساعدات الشهرية التي تقدر ببضعة آلاف أو بمئات الآلاف من الدولارات، إذا ما أصروا على مواقفهم ضد اسرائيل ؟! وختاماً تجدر الإشارة بكل وضوح وبعيداً عن اللوذ خلف الكلمات، بأن مؤتمر دوربان وما شهده من تجاذبات دولية مكشوفة، صبت في غالبيتها بالخانة الأخرى المضادة، وبتجاهل القضايا العربية على الرغم من أهميتها وما قد تعكسه من آثار سلبية على المستوى الإقليمي والدولي، على حد سواء، أعاد الاعتبار لضرورة العودة مرة أخرى لتقييم مجموعة من السياسات العربية الموحدة إزاء الداخل والخارج والمحيط الجغرافي بشكل عام. بالمقابل والحق يقال، علينا ألا نغفل أن الموقف العربي، قد خرج ولاول مرة من إسار المجاملة التي تعودها ولم يجامل هذه المرة حتى اكثر الدول قوة وبطشاً، وبقيت الوفود متمسكة بالحد الأدنى المقبول، الذي أصر على معاناة الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي، وثبت حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية على ترابه الوطني، وحق العودة، وإن لم تطرح الآليات والطرق لتنفيذ هذا الحق. وأن الموقف العربي قد أوصل الرسالة التي كان يود إرسالها، رغم عدم رضاه عن ما خرج به المؤتمر من توصيات وقرارات. لكن السؤال الأهم، هل حقاً وصل العرب إلى ضرورة التوافق العربي على الخطوط العريضة الممكنة ؟ أم أنه سيبقى النظام العربي، على تسويفه بسبب بعض الأصوات النافرة، التي غالباً ما تصدر عن أضعف حلقاته؟ ـ كاتب فلسطيني