في البداية لابد لنا من ان نعزي الشعب الامريكي والحكومة الامريكية عن الاحداث الاليمة التي شهدتها مدينتا نيويورك وواشنطن والتي راح ضحيتها آلاف الامريكيين الابرياء، بالاضافة الى خراب ودمار رهيبين لحقا بالمواقع التي استهدفتها الاعتداءات الاجرامية. فهذه الاعمال الارهابية ينبغي ان تدان بشدة وان ينال مرتكبوها اقصى اشكال العقاب سواء كانوا افرادا او حكومات ولا ينفع ان تبرر مثل هذه الجرائم بربطها بالسياسة الامريكية الخارجية او ما شابه فلاشيء يمكن ان يبرر ما حدث. ومثلما ان الجرائم التي ترتكبها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني لايمكنها ان تبرر بأي شيء كذلك فان الجريمة التي ارتكبت ضد الشعب الامريكي هي منزوعة الغطاء والذرائع ولذلك فانه من الناحية الاخلاقية يجب التنديد بجريمتي تفجير نيويورك وواشنطن ولا ينبغي لشيء ان يمنع احدا من ذلك. وقد احسنت الدول العربية صنعا بادانتها الحازمة لتلك الاعتداءات وما يؤمل منها هو التعاون مع المجتمع الدولي للتأكد من ان الجماعات المتورطة في التفجيرات لن تجد لها مكانا يؤويها. وان نهييء انفسنا في الوقت نفسه مع ضرورة الوفاء بالالتزامات التي تقطع حاليا، والتخلي عن الازدواجية وتحديد الخيارات بدقة، فهذه وان بدت معركة امريكية الا ان المجتمع الدولي اعطاها بعدا عالميا. تحالف دولي ويبدو ان الولايات المتحدة في ردها على الاعتداءات الارهابية تريد تكرار تجربة التحالف الدولي الذي اخرج القوات العراقية من الكويت خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 وان جورج بوش الابن يريد ان يقتفي خطى والده جورج بوش الاب في هذا المجال. الواقع ان هذا التحالف الذي يمتد من اليابان شرقا واستراليا جنوبا مرورا بالهند وباكستان ودول الخليج وعمان والاردن وربما مصر، ومن كندا والولايات المتحدة غربا واوروبا شمالا مرورا بتركيا والمغرب ودول اخرى، يتيح مظلة عسكرية وسياسية وامنية واسعة، تمكن الادارة الامريكية ليس فحسب من توجيه ضربات قاصمة للجهات التي يثبت تورطها في تلك التفجيرات وانما ايضا توسيع دائرة المواجهة مع الجماعات الارهابية حول العالم. لقد وحدت تلك الاعتداءات على نحو سريع ومفعم بالحماسة كتلا دولية بأكملها كما انها منحت الولايات المتحدة تعاطفا قل نظيره ليس بين حلفائها وهو امر طبيعي ولكن بين بعض اعدائها وحتى اولئك الذين ظلوا في منأى عن التعاطي مع السياسة الامريكية. وتلعب الاشارات الرمزية هنا دورا ليس قليل الاهمية: فالاوروبيون وجدوا انفسهم في حالة حداد جماعي، ووقفوا جميعهم وفي نفس الوقت دقائق صمتا ترحما على ارواح ضحايا هجمات نيويورك وواشنطن في حين ان دولا عدة، سيما تلك التي لها ضحايا سقطوا في الهجمات، مثل المانيا وكوريا الجنوبية والمكسيك وايرلندا وغيرها وجدت نفسها في قلب المحنة وتتقاسم نفس المشاعر والعواطف والكثير منها اعلن حالة الحداد اما الدول البعيدة نسبيا عن الحدث فقد سارعت الى ابداء التعاطف والتعاون، كي تبقى في دائرة الضوء. وبكلمة اخرى فالحدث وهو بالغ الضخامة والجسامة في آن، من الطبيعي ان يمتد تأثيره الى صلب اهتمامات كل دولة وكل اقليم. والمسألة ليست اعتباطية ابدا في حين ان الحديث عن ان الولايات المتحدة وكذلك العالم لن يبقيا بعد الاعتداءات كما كانا قبلها، له ما يبرره فطبيعة الاجراءات التي سوف تتخذها الولايات المتحدة وحجمها سوف يبينان الى حد كبير الفواصل مثلما الخطوط العريضة الجديدة في العلاقات الدولية. ولذلك فان كل دولة اليوم تبحث عن اعادة تعريف لدورها في ضوء الاحداث الراهنة وقد وضعت المسألة امامها على النحو التالي: اما ان تكون مع التحالف الجديد المناويء للارهاب (او قريبة منه) واما ان تكون خارج هذا التحالف وسيقاس حسن سلوك الدول او سوؤه ان جاز التعبير في ضوء مدى مشاركتها في هذا التحالف. وقد اشار وزير الخارجية الامريكي كولن باول الى ذلك بوضوح في مؤتمره الصحفي الذي عقده الجمعة الماضي في واشنطن حين قال ان وقوف دول العالم مجتمعة ضد الارهاب سيكون مقياسا للطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة الى علاقتها بالدول الاخرى. وقال: «ان ذلك اصبح مؤشرا وسبيلا جديدا لقياس العلاقة وما يمكننا القيام به معا في المستقبل ونوع الدعم الذي يمكن تقديمه في المستقبل فيما يتعلق بالمجموعة الكاملة للقضايا والنشاطات». الدول العربية واسرائيل والحديث الذي يدور اليوم حول الجهود التي تبذلها اسرائيل كي تكون في قلب التحالف المناويء للارهاب ومسارعتها الى استثمار الاعتداءات وتجييرها لمصلحتها في صراعها مع الفلسطينيين والعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين هو حديث صحيح. لكن نجاح اسرائيل في تشويه صورة العرب او التغطية على احتلالها للاراضي الفلسطينية عبر الدور الذي تريد ان تلعبه في الازمة الامريكية، هذا النجاح ليس حتميا. فالجانب العربي يستطيع ان يحول هذا الحدث من مجرد اتهامات تلصق بالعرب والمسلمين، وحملة اعلامية توجه اصابعها نحوهم الى مناسبة لاظهار تضامنه التام مع ضحايا الارهاب، ومسارعته الى التعاون وتقديم كل مساعدة ممكنة للولايات المتحدة في هذا المجال بالافعال وليس فقط بالاقوال بل ان حاجة الولايات المتحدة الى دعم العرب والمسلمين في معركتها هذه هي اكبر بكثير من حاجتها لدعم اسرائيل. ولذا اعتقد ان هذه فرصة سانحة لكثير من الدول العربية كي تعيد ترتيب اولوياتها وخياراتها على الصعيد الدولي مثلما على الصعيد المحلي وهي فرصة لتحسين صورة العرب التي شوهت او تشوهت نتيجة تحامل بعض الاوساط في الغرب مثلما هي نتيجة تصرفات وسياسات محلية ايضا. فالحرب ضد الارهاب هي حرب موجهة بالاساس ضد افراد او جماعات او حكومات خارجة بالضرورة على القانون الدولي. وان يكون ذلك في اطار جهد عالمي يعني ان استثناء اي دولة لنفسها من هذا الجهد لابد ان يخلق انعكاسات سلبية على هذه الدولة ايا تكن مبرراتها او حجمها في ذلك. وليس صدفة ان كثيرا من دول العالم مثل شيلي والفليبين والهند وغيرها سارعت الى الاعلان عن تقديم مساعدتها لاي اجراء تتخذه الولايات المتحدة في معركتها الراهنة فهذه الدول تدرك ان عدم اشتراكها لن يغير من الموازين القائمة شيئا طالما ان الدول الكبرى قد اعطت تأييدها مسبقا للولايات المتحدة واعلنت اشتراكها في اي عمل عسكري تقوم به واشنطن وهذا مافعله الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطلسي بل هذا ما فعلته دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتركيا وغيرها. نقول ان عدم اشتراك كثير من دول العالم الثالث في هذه المعركة لن يغير من الموازين شيئا لكن مشاركتها ستضمن لها على الاقل موقعا متميزا في اطار التحالف وميزة معنوية في العلاقات الدولية. ففي كل الاحوال فان من تورط في تلك التفجيرات سوف يدفع الثمن وسواء كان اسامة بن لادن او حركة طالبان او اي جهة اخرى. ومادام ان هؤلاء قد اختاروا بأنفسهم ان يحاربوا الولايات المتحدة وان ينخرطوا في معركة ضدها فعليهم ان يتحملوا النتائج، وليس من الحكمة ان يتحمل اي شعب عربي او مواطنين عرب تكاليف هذه المعركة التي لا مستقبل لها ونقول ان لا مستقبل لها ليس لانها ضد امريكا فحسب وليس لانها ضد الدول الكبرى فقط وانما لانها معركة ضد الحداثة والعصرنة وضد القيم الانسانية الحديثة. ـ كاتب من البحرين