في هذا الزمن المعقد الذي نعيش، يأتي الهجوم الذي استهدف مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع في واشنطن، ليشكل نصراً مؤزراً في عيون البعض، بينما يتلقف آخرون مثل هذه الاعمال كأنها انتصار للقضايا التي يدافعون عنها، فراحوا يوزعون الحلوى ويتبادلون التهاني. ونسي كثيرون من هؤلاء وهم يشاهدون الاكوام الهائلة من الركام، وقد كانت منذ ساعات قليلة اكبر بناية في الولايات المتحدة، نسوا الاجابة عن سؤال مهم للغاية: هذا الانتصار لمن؟ وعلى اي شيء؟ اذا كان منفذو هذا الهجوم يعتقدون انه انتقام مما يحدث في الارض المحتلة وما يلقاه الفلسطينيون على ايدي قوات الاحتلال فقد ظلموهم اكثر مما انصفوهم لان اسرائيل حتى عشية هذا الهجوم كانت تجد في الولايات المتحدة، كثيرين ممن يعارضون أعمالها الاجرامية في الارض المحتلة، وهي معارضة تظهر على جميع المستويات الحكومية والشعبية والاعلامية، ومن ثم كانت اسرائيل تحارب على الصعيد الاعلامي من موقع الضعف والدفاع عن الخطأ، ولكن ها هي الآن بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي صبيحة يوم الثلاثاء الماضي تقف في موقع القوة، بل وتضع نفسها في خندق واحد مع الضحايا الامريكيين من بيض وسود وأوروبيين وآسيويين وآخرين، واذا كان منفذو الهجوم يعتقدون مثلا انهم يكافحون ضد الظلم الذي يقع على الفلسطينيين فإن الضحايا هم اناس عاديون قفز بعضهم ـ تحت هول الموقف ـ من الطوابق العليا لذلك المبنى المشئوم في محاولة مستميتة لانقاذ انفسهم. كما ان من بين الضحايا ولاشك اطفالا ونساء استقلوا الطائرات في ذلك اليوم من اجل تدبير اعمالهم العادية، اناس عاديون ابرياء تحولوا فجأة الى شظايا من اللهب سرعان ما ضاعت بين كتل الانقاض، من اجل هذا اجتذب الموقف المأساوي التعاطف الانساني من كل شعوب العالم، وتوحدت البشرية كما لم تتوحد من قبل في ادانة الارهاب والتنديد بقتل الابرياء، وتوافق الناس في كل العواصم من موسكو الى برلين الى دبلن، ومن مانيلا الى جوهانسبرج وحتى بيونس أيرس على شجب هذا المسلك الوحشي، بما يعني ان هؤلاء المسئولين عن هذا المسلك خسروا كل الاصدقاء الذين كان يمكن ان يساعدوهم على حل قضاياهم المزمنة، وبدلا من ان يكون لهم عدو واحد، وان كان يتسم بالجمود والقسوة، استطاعوا هم ان يجندوا العالم كله في خانة الاعداء ليخسروا في النهاية ليس المناصرين والاصدقاء فحسب ولكنهم ايضا خسروا القضية برمتها. العالم كله ادان الكارثة التي وقعت في نيويورك وواشنطن، كل المنظمات العالمية، وكل الدول تقريبا عدا بالطبع دولة واحدة هي العراق وذاك دليل على ان العقل السياسي في بغداد «وهو من المفروض ان يكون عقل دولة» يماثل عقل افراد الشارع البسطاء، انه عقل مملوء بأوهام بعيدة عن الحقيقة والمنطق، و لا يعي حقائق التاريخ ولا جوهر الواقع ولا معادلات القوة في هذا الزمن المعقد الذي نعيش فيه. لقد استفادت اسرائيل في الايام الاخيرة، مما وقع في نيويورك وواشنطن كما لم تستفد من قبل، فطفق المحللون الاسرائيليون اولا، ثم تبعهم بعض الغربيون يقارنون بين استهداف الولايات المتحدة بوصفها قلعة العالم الحر، في الغرب، واستهداف اسرائيل بوصفها «قلعة الديمقراطية» في الشرق الاوسط، حتى ان معلقا غربيا تحدث عن تقديم السيد ياسر عرفات تبرعا بالدم لمصلحة الضحايا، فكتب يقول: لقد ادان ياسر عرفات الهجوم على الولايات المتحدة، ولكنه ادانه مستخدما اللغة الانجليزية، التي لا يفهمها العامة من شعبه، الذين تظاهر بعضهم فرحا في شوارع فلسطين. بل ان اسرائيل شنت هجوما كاسحا على الفلسطينيين في اليوم التالي لاحداث واشنطن سقط من جرائه عدد من الشهداء. وبطبيعة الحال لم يلتفت للحدث احد ولم يدنه ـ كما هي العادة ـ احد وهو اثبات آخر لحقيقة انه ان كان ما حدث قصد به الدفاع عن الحق الفلسطيني فقد جاء بنتائج عكسية كان يمكن ان يتوقعها اي عاقل. اما اذا كان هناك من خطط ومول، معتقدا انه يدافع عن الاسلام فقد قام بجريمة نكراء، حيث ان الاسلام، وبشهادة العديد من الدراسات الغربية ـ هو الدين الاكثر انتشاراً في الولايات المتحدة، فالاحصاءات تقول ان هناك اربعة ملايين مسلم وهو عدد مستمر في الزيادة، وتقدر بعض الدراسات ان معتنقي الاسلام اليوم في امريكا اكثر من الملتزمين بالاسقفية البروتستانتية، ومع ذلك فإن الدعاية التي انتشرت ضد المسلمين على اثر هذا الحدث المروع جعلت من معتنقي هذا الدين جميعا متهمين بالارهاب امام مواطنيهم الامريكيين، فأي خدمة مضادة اذن قدمتها هذه الفرقة الانتحارية للدين؟ وأي فائدة يمكن ان يجنيها الاسلام والمسلمون مما قام به هؤلاء الانتحاريون، ان كان لديهم دافع اصلا لخدمة هذا الدين ومعتنقيه؟ على العكس تماما فإن الخسارة الفادحة التي سيحصدها المسلمون بجريرة هذا الفعل ربما تستعصي جوانبها على الاحصاء او حتى التخيل، ذلك لانه بلا شك سوف تمر فترة طويلة جدا من الزمن قبل ان يزول اثر هذه الجريمة من عقلية الرأي العام في ارجاء العالم كافة. لقد قرر تحالف شمال الاطلسي الكبير والقوي ان اي اعتداء على دولة من دوله «في هذه الحالة الولايات المتحدة» هو اعتداء على الدول الاعضاء جميعا. ربما استطاع المهاجمون ان يحولوا لفترة وجيزة اكبر مدينة امريكية الى عاصمة للجحيم، ولكنهم لم يحسبوا ان ذلك الجحيم يمكن ان يصلي بلهيبه المفجع ملايين من البشر، لم يكن لهم رأي فيما فعل هؤلاء القلة ولم يستشاروا في ذلك الفعل، الذي هو بالتأكيد لا يعبر عن قناعتهم. ان كانت السياسة الامريكية الخارجية معقودة اللسان في الاشهر الماضية تجاه ما يحدث في الشرق الاوسط، فإن تلك العقدة كانت قد اقتربت بفعل الاحداث من نفاذ الصبر، ولكن مع ذلك كان هناك من يصغي ـ ولو بأذن واحدة ـ لأصحاب القضية وهم يوجهون انتقادهم ويكشفون اوجه القصور والعجز في الموقف الامريكي. اما بعد احداث الثلاثاء الماضي فستكون امريكا مطلقة اليد في التصرف عالميا، وخاصة في الشرق الاوسط المنكوب، ولاشك في انها سوف تضرب صفحا عن مشكلات نعطيها نحن صفة الاولوية وستعتبرها هي ثانوية، بعد ان زرع الارهاب طوفان النار على ارضها، ومن الواضح ان هذا التصرف لن يأتي بالتأكيد بشيء حسن في منطقتنا، فالحرب اولها كلام، واطلاق التهديدات وتعبئة العامة وحقنها بأفكار مغلوطة او مضللة، كما يحدث في الكثير من مناطقنا، ورفع شعارات محاربة امريكا ومصالحها وتهديد الغرب، كل هذا يسهل كثيرا مهمة المتطرفين، فليس هناك ما يساعد التطرف اكثر من حشد عقول العامة والبسطاء وحقنها بالافكار الخطأ. من يظن ان الارهاب سيكون شعلة من اللهب يلقيها حاملوها في اتجاه واحد هو الولايات المتحدة، يكون كمن اغرق نفسه في الخيال، ففي هذا العصر الذي نعيش فيه، والذي تحولت فيه الكرة الارضية الى مجرد قرية صغيرة بفعل سرعة المواصلات والاتصالات والمعلومات، ستتحول كل طائرة الى صاروخ وكل سيارة الى لغم وكل تليفون «يدوي» الى قنبلة فتاكة، وستتحول كل محطة كهرباء الى هدف وكل تجمع بشري الى فريسة سائغة لمن اراد ان يريق الدماء، وستتحول كل مدينة الى بوتقة للرعب القادم، وستتساوى في ذلك المدن الكبيرة والصغيرة على حد سواء، فاذا لم ننتبه فإن كل فكرة شاذة، ان لم تعالج، سيتسع صداها ليصبح لها داعية، يتجمع حوله من الانصار من هم على استعداد لأن يقتلوا انفسهم صانعين مذابح للآخرين. ليس من الانصاف اطلاق الحديث وتعميمه من دون بينة وتوزيع الاتهام على الجميع وايضا ليس من الانصاف تلمس سطوح الظاهر دون الولوج الى الاعماق، ولكن من الانصاف التذكير بأن التعبئة الخطأ، وربما التثقيف الخطأ يتجاوز مردوده السلبي القلة التي تحمله وتعتنقه، بل يرتد على سائر الامة فلا يوفر احدا، وقبضة الارهاب التي اصابت وجه الولايات المتحدة يوم الثلاثاء الماضي، يمكن ان تصيب وجوه كثيرين ظنوا انهم في مأمن من الشر القادم، بحجة انهم معتدلون او لانهم متسامحون في مقاومة الفكر الخطأ، او مجاملون لهذا الفكر، وكأنهم لا يدركون ان الافكار الضالة حين تملأ العقول، تتحول تلقائيا الى بندقية لا تكف عن اطلاق النيران في وجوه الجميع. ولكنها ـ ويا للأسف ـ بندقية في اليد الخطأ. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت