عبارات المواساة الانسانية شيء. أما المواقف السياسية الحاسمة فإنها تحسب بحسابات العواقب. هذه هي الحقيقة العظمى الآخذة في التبلور يوميا امام عيني الرئيس الامريكي بوش ووزير خارجيته كولين باول وكبار مساعديه من العسكريين. فالمشاعر العاطفية الجياشة التي عبر عنها الحلفاء والاصدقاء منذ تفجر المشهد الناري الدامي في نيويورك وعبارات التضامن المصاحبة، اخذت تتلاشى الى الخلفية تدريجيا مفسحة المجال للحسابات الاستراتيجية الدقيقة تجاه الدعوة الامريكية المتعجلة الى انشاء «تحالف دولي» لمنازلة الارهاب العالمي. تباعا ارتفعت اصوات التحفظ على الدعوة على اكثر من صعيد من فرنسا والمانيا وبريطانيا على مستوى الحلفاء الغربيين الاطلسيين.. ومن مصر اكبر أصدقاء امريكا في العالم العربي.. ومن روسيا والصين على المستوى الدولي العريض. لماذا؟ ببساطة لأن الدول المتحفظة رغم ان موقفها الاستراتيجي الثابت ضد ما تعتبره واشنطن ارهابا عالميا لا يختلف جوهريا عن الموقف الاستراتيجي الامريكي نفسه، فإنها لا تريد ان تخطو على طريق التصدي للارهاب بأخطاء حمقاء تستدعي المزيد من الارهاب. هذا هو المعنى الذي صاغه وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين بكلمات حرص ان تكون من قاموس الانتقاء الدبلوماسي، وعلى منواله نسج يورك فيشر رصيفه الالماني كلمات مماثلة لتنقل نفس المعنى. اما الرئيس حسني مبارك فقد استخدم بلاغة الحذف في اللغة الدبلوماسية. ففي حديثه الى قنوات تلفزيونية امريكية اسقط الرئيس المصري تماما عبارة «تحالف دولي» وعوضا عن ذلك استخدم عبارة «مؤتمر دولي». وفي الشرح التفصيلي شدد على ان يعقد «المؤتمر الدولي» لمكافحة الارهاب «تحت مظلة الامم المتحدة» اي خارج رعاية الولايات المتحدة. ان ادارة بوش تعاني ضغطا من داخلها وتوقعات ضاغطة من خارجها. وكلا الأمرين نابعان من شعور عارم بفقدان الهيبة والرغبة في الانتقام العاجل. داخل الادارة يضغط كبار العسكريين والامنيين.. وخارجها تتصاعد توقعات الجمهور الامريكي في نفس الاتجاه. فالقيام بعملية عسكرية انتقامية عاجلة هو مطلب الجميع في امريكا. ولكي تقوم الادارة الامريكية بمقامرة عسكرية متعجلة فإنها تحتاج الى غطاء دولي على افتراض ان العملية (اذا وجهت الى افغانستان مثلا) قد تنشأ عنها ردود فعل عنيفة من جماعات اسلامية عالمية. ففي هذه الحالة يستحسن من المنظور الامريكي ان يتفرق الدم الافغاني على مختلف «القبائل» الدولية. لكن العملية الامريكية وردود الفعل عليها قد تتحول الى دورة عنف دموي بلا نهاية تمتد بطول شهور.. وربما سنين. هذا بالضبط ما يخشاه حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة ان سمحوا لانفسهم بأن يكونوا طرفا مشاركا في تحالف دولي معها. وما وقع في نيويورك وواشنطن يمكن ان يقع في لندن وباريس وموسكو وغيرها. هنا نستطيع ان نفهم ونتفهم التحفظات وفي هذا السياق يقول رئيس اركان الجيش الروسي انه «من غير المرجح ان تشارك موسكو في اي ضربة امريكية ثأرية» اما الصين فقد اشترطت ان اي عمل عسكري للرد على الهجمات ضد امريكا يجب ان يتقرر امره داخل مجلس الامن الدولي. وحتى بريطانيا، الحليف الغربي الاول للولايات المتحدة، ابدت تحفظا من نوع ما. ففي خطابه الى مجلس العموم البريطاني شدد رئيس الحكومة توني بلير على وجوب وجود «أدلة قاطعة» ضد الجهة او الجهات المسئولة عن التفجيرات في امريكا قبل تنفيذ اي عمل انتقامي ضدها. والسؤال الذي يطرح هو: هل يتفهم جورج بوش هذه الرسائل والاشارات؟ اذا لم يتفهمها فإن واشنطن قد تكتشف عند نهاية المطاف انه لا احد يقف الى جانبها وبشروطها سوى اسرائيل.