ترى، هل فكر باحث عربي مشرقي كان أو مغربيا في أن يضع دراسة حول استخدام الاشارات وحركات الأصابع وأوضاع اليدين عند اليعاربة الميامين حين يتكلمون ويتواصلون ويعبرون؟ من شأن دراسة من هذا النوع أن تدخل في أبواب العلوم السلوكية، أو علوم الاتصال الانساني أو حتى علوم الاجتماع والأنثربولوجيا المعنية أساسا بالكائن البشري ـ الهوموسابينس كما يسميه دهاقنة الاختصاص. مبلغ العلم أن مكتبتنا العربية ما زالت تفتقر الى هذا النوع من الدراسات أو أن هذا اللون من البحث ما زال مقصورا على دخلاء من أمثالنا بمعنى أنهم ليسوا من المتمرسين المتخصصين لا أكاديميا ولا مهنيا في علوم الانثربولوجيا أو السلوك وإنما قصاراهم أن يشغفوا بمراقبة السلوك البشري من باب الفضول الأدبي كما قد نسميه لعلهم يعثرون على زاوية من طرائف هذا السلوك أو على اشارة توحي بموضوع يكتبون فيه ولا بأس من أن يضيفوا اليه ـ من باب التبهير أو التحبيش ـ قليلا من التفلسف وقدرا من الأشعار ونقعا من المأثورات.. وكفى الله المؤمنين. مع ذلك فالاشارة والتواصل بالاشارة له أسس شتى في ثقافة العرب وفي أنماط سلوكهم عبر العصور. وحينما ينقب كل منا في زوايا الذاكرة سوف يطالعه على الفور بيت من الشعر نسيت صدره ليبقى في الذاكرة المهيضة عجزه وهو: وكل لبيب بالاشارة يفهم وإذا كنا قد نسينا أول البيت فليس لك ـ أرجوك ـ أن تسألنا من قاله.. وسقى الله أيام العم حسن الكرمي المذيع المخضرم الذي فتحنا العيون والأسماع على صوته الأجش الوئيد الوقور من إذاعة لندن العربية وهو يبث الى الناطقين بالضاد برنامجه الأشهر «قول على قول» مستهلا كل فقرة بالجملة المأثورة: سألني السيد فلان من البلد الفلاني عن بيت الشعر كذا وكذا.. من قائله وما المناسبة.. ثم يروعك الأستاذ الكرمي حين يقرأ بيتا من غرائب الشعر.. على وزن غرائب الابل.. محشوا بتعابير وكلمات يكاد المرء يشك أنها تنتمي الى اللغة التي نعرفها ـ كيف لا ومن الكلمات مثلا، مثلا ما كان يقول: ومُدَ عْشَرٍ بالقعطلْين تحشرمت شرَّافتاه فخرّ كالبُعضنبل فإذا بالكرمي يقول دون تردد هذا البيت للطرماح بن عنبسة الكلبي وقد قاله متغزلا في محبوبته شنغاء بنت معد يكرب.. الخ.. كم أسعدنا أن نعرف أن حسن سعيد الكرمي وهو من مواليد طولكرم بفلسطين في عام 1908 عمد الى جمع أشتات برنامجه العتيد قول على قول في مجلدات بلغت نحو 15 مجلدا استطاع أن يصونها كي لا تتبدد مع ذبذبات الأثير.. ناهيك عما أبلغنا به بعض المتمرسين الثقات في التعامل مع الحاسب الالكتروني «نحن ما زلنا في مرحلة أمية الحاسب للأسف ـ الالكتروني الشديد» فقالوا أن الصندوق الالكتروني العجيب بات يضم برامجيات «سوفت وير» متخصصة في عمود الشعر العربي وبوسعها أن تأتيك بنبأ الشعر العربي وبوسعها أن تأتيك بنبأ البيت من الشعر ثم تنسبه الى من قرض هذا الشعر وماذا كانت مناسبة هذا القرض كل ذلك في لمحات من زمن.. ومع هذا كله سقى الله أيام الأستاذ حسن الكرمي فهي على الأقل مرتبطة بذكريات مطالع الصبا وميعة الطلب في العلم والدرس واللهو على السواء. ومع ذلك أيضا يظل السؤال مطروحا: ـ هل لدينا دراسة عن استخدام الإشارة أو الإشارات في الاتصال أو التواصل بين قومنا؟ إن استاذ الاعلام والاتصال الجماهيري الكندي ـ مارشال مكلوهان «توفي عام 1981» - في كتابه الذائع الصيت بعنوان «فهم الوسائط الاعلامية» يقول لنا: إن تاريخ البشرية هو تاريخ اعلام واتصال بين البشر.. وأن المخترعات الحديثة تشكل امتدادا لجوارحنا وأعضائنا وأطراف أجسامنا.. الهاتف مثلا ـ يقول مكلوهان امتداد لآذاننا والميكرفون امتداد لألسنتنا والتلفاز امتداد لعيوننا. ونظريات الاعلان المعاصر تحرص على تقصي هذه العمليات الاتصالية على أساس أن كلا منها تصدر عن منظومة اتصالية متكاملة تحفل كلها باشارات وايماءات ورموز لا يفك شيفرتها سوى العارفين بأسرار تلك الشيفرة.. يستوي في ذلك منظومة الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية والشبكات الفضائية مع منظومة الاتصال في الغابات والأدغال بواسطة دقات الطبل «درمز» التي يتلقى ايقاعها أهل الغابة ليعرفوا منها نشرة أخبار القبيلة النائية أو المحلّة السكنية التي اتخذت مستقرا لها فوق قمة جبل أو في أحضان دغل أو على ضفاف نهر. ورب اشارة بسيطة تحمل معاني كبيرة وربما خطيرة شريطة أن يفك المتلقي ما تومئ اليه من رموز وايحاءات. وكم حفلت كتب البلاط وأدب مجالس العواهل والأباطرة والحكام من حديث الاشارات وضرورة أن يكون المرء لبيبا يفهمها وإلا اتهموه بالغلظة والجليطة وسوء السلوك ألا ترى أن من الملوك من اصطنع أهل حاشيته حركة يأتي بها ـ خفيفة طبعا أو إيماءة تند عنه ومعناها أن ينفض المجلس من حوله ويقوم الناس لا يطيلون المكث ولا يرهقون ولي الأمر.. وفي تراثنا كتاب طريف اشتريته يوما من سوق المتنبي من شارع الرشيد في بغداد وعنوانه «بدائع السلوك في طبائع المُلْك» وفيه أكثر من حديث عن خليفة أو أمير أو حاكم اذا قام نصف قومة من مقعده فالمعنى أن ينفض مجلسه.. ومنهم من يتناول مروحة وضعوها الى جواره ومعناها بغير أخذ ورد انتهت المقابلة.. ومنهم من يخرج مسبحته ـ الثمينة طبعا ـ من جيبه فإن حركها بين أنامله فمع ألف سلامة بالنسبة للحاضرين ومنهم من كان له لازمة يرددها من بيت الشعر الشهير: مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها وكان الرجل الكبير يكتفي بأول العبارات ـ مشيناها خطى فلا يكاد الناس يسمعون بقية البيت إلا وقد استلموا الباب وتجاوزوا الحُجّاب ومن حكام الأندلس من كان يختم مجلسه بتنهيدة عميقة مرددا عبارات تفيد بأن لا غالب إلا الله.. أو الله غالب أو ما شابه ذلك.. والمشكلة أن التنهيدة ما لبثت أن تحولت مع ذبول المجد العربي الأندلسي وتفشي الخلافات بين ملوك الطوائف الى زفرة.. بل انتهى الأمر الى أن تدهورت الزفرة الى نحيب الندابات يصاعد من حلق أبي عبدالله اخر ملوك الأندلس وهو يسلّم مفاتيح غرناطة الى مندوب ايزابيللا ملكة قشتالة وزوجها فرديناند في منطقة «سانتافي» «زرناها في فاتح التسعينيات ولم نتمالك النفس من دمعة تاريخية مكتومة كي لا يراها المرشدون الأسبان». أما تسليم مفاتيح المدينة التي كانت حاضرة زاهرة لدولة عربية اسلامية فكانت في عام 1492 للميلاد وقد رثاها شوقي في ميمية قال في مفتتحها: يا أخت أندلس عليك سلام ذهبت بأنسى ربوعك الايام وكان التسليم كما تعلم في أسبانيا ـ منطقة المغرب من الوطن العربي ـ وقد سبقه بأقل من 40 عاما من ذلك التاريخ ـ 1453 تسليم مفاتيح عاصمة تاريخية أخرى هي القسطنطينية التي دخلها محمد الفاتح العثماني المسلم وحملت اسماء عديدة.. الأستانة.. اسلام بول «حاضرة الاسلام» ثم اسطنبول التي ما برحت رغم كل شئ تزدان بأجمل روائع المعمار الاسلامي في المساجد والقلاع والمآذن التي تشق عنان السماء وهكذا فالحضارات مثل الدول.. بل هي مثل الدنيا التي نعيش فيها.. يوم لها ويوم عليها والفَلَك ـ كما يقولون ـ دوّار، ويظل السؤال معلقا: ما الذي دعا الى هذا الحديث الذي سقناه، أو تصورنا أن سقناه عن الاشارات ولغة الاشارات؟ بصراحة لقد دعا اليه دراسة وقعت في أيدينا من زاوية قصية في إحدى مكتبات نيويورك ـ الدراسة حول كتاب راهب ايطالي من نابولي تحول ليصبح عالم أنثربولوجيا مهتماً بعلم دراسة البشر. الرجل اسمه أندريا دي جوريو وقد عاش في مقتبل القرن التاسع عشر. وفي عام 1832 أصدر قاموسا غاية في الطرافة عن لغة الاشارات بتحركات الأيدي والأصابع في ايطاليا.. وقد عنيت بترجمته ونشره عام 2000 جامعة أنديانا بالولايات المتحدة.. ومن سطور الكتاب نلتقط خيط هذا الحديث الموصول بإذن الله.