تبدو الصورة التي مرت بها الولايات المتحدة الامريكية بعد ضرب المركز التجاري العالمي ووزارة الدفاع هي اشبه بصورة الحرب الحقيقية، وزاد من هذه الصورة الاعلان عن تكثيف الحماية على الرئيس الامريكي ووجوده في مكان آمن، كما اعلن عن ذلك طمأنة للشعب الامريكي، ومهما تكن طبيعة الجهة المنفذة لهذه العمليات المحكمة بدقة متناهية فإن تهديد المصالح الامريكية في عقر دارها وطريقة تنفيذ العملية التي تعتبر الاولى من نوعها في العالم يجعلانا نقف على عدة منعطفات في السياسة الامريكية التي يقودها جورج بوش مع طاقمه وما يحيط بإدارته وبالمقابل اعتبار السياسة الامريكية حلقة متصلة تتداخل فيما بينها ليس على المستوى الآني بل على امتداد حركة التاريخ وتنوع اشكال الزعامات فيها وطرائق الادارة التي مرت وتمر بها، وهي حالة تمثل المعطى العام للتفكير الامريكي اولا وللتفكير الخارجي الخاص بالولايات المتحدة وسياستها الخارجية. ومن منظور هذه العملية فإنها مرتكزة على مسألتين الاولى انها انطلقت من الولايات المتحدة ذاتها ونفذت على أراضيها سواء كانت الجهة المنفذة امريكية او غير ذلك، اما المسألة الثانية فهي الاهداف التي تناولتها الهجمات فالهدف الاول كان مركز التجارة العالمي الذي يمثل رمزا للرأسمالية الامريكية من جهة الاقتصاد وينعكس بشكل مباشر على سيطرة الاقتصاد الامريكي العالمي وصورته التي باتت تضع نفسها حاملا للعولمة الامريكية ولسيطرة رأس المال الامريكي بشركاته الكبرى، ورغم ان هذه الضربة موجهة للاقتصاد الا انها من طرف آخر كانت موجهة للمواطن الامريكي وهو الحالة الصعبة المقصودة رغم انها حالة لا إنسانية ذهب ضحيتها الكثير من الابرياء، وبالطبع لا يمكن لأحد ان ينفذ هذا العمل وأقصد هنا ضد المواطن الامريكي الا في حالتين الاولى ان يكون مريضا نفسيا وهذا مستبعد لأن العدوانية «السيكوباتية» لا تتركز في المجموعات، ومثل هذا العمل من البديهي انه عمل جماعات كبيرة وليس عمل أفراد وبالتأكيد فإن بداهة التفكير الطبيعي لأية مجموعة تتعامل مع الحامل السياسي بشكل علمي لا يمكن ان تقدم نظريتها العدوانية على فهمها السياسي، لذلك فاستبعاد العدوان لمجرد العدوان نظرية ضعيفة الاحتمالات بل تكاد تكون معدومة امام الوقائع. عداء شعوب العالم اما الناحية الاخرى فهي الحالة الانتقامية التي وفرتها بالطبع الولايات المتحدة الامريكية نظرا لعدائها المتواصل لشعوب العالم، فواشنطن وخلال النصف قرن الاخير قد فرضت 105 حالات حصار اقتصادي وغيره على العالم والمتأثرون بالعقوبات حوالي 43% من سكان العالم، اضف الى ذلك فإن الولايات المتحدة تتلقى سنويا اكثر من ثلاثين ألف تهديد مختلف وهذا بالطبع دلالة على عدائها السياسي العالمي، والمعروف ان المصالح الامريكية هي الاكثر عرضة في العالم للتهديد ويمكن رصد اهمها: ـ في عام 1965 في «سايجون» فجر أحد مقاتلي الفيتكونج سيارة ملغومة امام السفارة الامريكية. ـ في عام 1973 اشعال النار بطائرة امريكية ومقتل 32. وفي العام نفسه اطلاق النار على ركاب اثناء مغادرتهم الطائرة التي كانت قادمة من اسرائيل وذلك في مطار اثينا باليونان وقتل خمسة اشخاص. ـ وفي عام 1983 العملية الانتحارية في بيروت ضد قاعدة عسكرية امريكية ادت لمقتل 241. ـ وفي العام ذاته والمكان ذاته تم تفجير السفارة الامريكية في بيروت واعتداء آخر على احد المباني التابعة للسفارة وأيضا في بيروت. ـ خطف طائرة البوينج عام 1985 وأمرها بالتوجه الى بيروت ثم طائرة روما اثينا التي انفجرت فيها قنبلة وأدت الى مقتل اربعة امريكيين. ـ انفجار طائرة بوينج عام 1988 فوق اسكتلندا. ـ مقتل 270 وانفجار سيارة مفخخة في قاعدة عسكرية امريكية في المملكة العربية السعودية وانفجار الخبر. ـ تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام. ـ ضرب المدمرة الامريكية كول امام السواحل اليمنية. وبالطبع هذا جزء يسير جدا لتعرض المصالح الامريكية في العالم ولا ننسى العمليات التي تمت داخل الولايات المتحدة كانفجار اوكلاهوما الذي نفذه شخص أمريكي. ان هذه الحالة التي تتعرض لها اقوى دولة في العالم تضعنا بتساؤل عن سبب الغضب الذي يحيط بالولايات المتحدة، ولعل الصحفي الامريكي توماس فريدمان قد وضع يده سابقا على جزء من الحقيقة حين قال في صحيفة نيويورك تايمز: «ان الخطر الداهم والدائم على امريكا لا يتمثل في العداء الاوروبي لأمريكا بل في عداء امريكا لأمريكا حال وجود ادارة يطغى عليها اشخاص لا استعداد لديهم لوضع اية حدود على التصرفات الامريكية تجاه العالم...» ورغم ان توماس فريدمان يتكلم عن الادارة السابقة للبيت الابيض الا ان ذلك ينطبق حقيقة على الادارة الحالية وإذا كان قد ذكر العداء الاوروبي للولايات المتحدة فإننا نلحظ في المرحلة الحالية عداء جديدا من أوروبا ذاتها يتمثل في الخلافات حول الدرع الصاروخية الامريكية وتوسيع الناتو ويأتي مقابله قوات الردع الأوروبية التي ينادي بها الاتحاد الاوروبي وكذلك اتفاقية «كيوتو» الخاصة بالاحتباس الحراري ولا يمكن ان ننسى المظاهرات التي استقبلت بها اوروبا الرئيس الحالي جورج بوش معترضة على سياسته تجاه اوروبا لذلك نجد ان المحللين المختصين بالشأن الاوروبي يؤكدون على فردية التعامل الامريكي كما يقول ستيفن ايفرت رئيس وحدة العلاقات عبر الاطلسي في مركز الدراسات الاوروبية حيث يؤكد: «ان امريكا تتعامل مع العالم من منظور انها القوة الكبرى الوحيدة القادرة على حماية مصالحها، دون الحاجة الى دول اخرى». ويأتي الرئيس جورج بوش ليؤكد هذه المقولة بقوله: «ان على الولايات المتحدة ان تعيد تعريف مفهوم الحرب حسب قناعاتها الذاتية وعلينا تهيئة جيش يعتمد على التطورات الحديثة الثورية التي جرت في ميدان تكنولوجيا الحروب». ولكن الواقع ان كل هذه التكنولوجيا لم تستطع اعتراض طائرات مدنية استطاعت ان تؤدي الى كل هذا الدمار في قلب الولايات المتحدة وتضرب من جهة اخرى مركز الدفاع الامريكي اي اكبر قوة في العالم «البنتاجون» ما سيجعل ادارة بوش تعيد كل حساباتها خاصة انها اعتمدت على نمط جديد في السياسة الامريكية، فالرئيس جورج بوش يتسم بالغموض الاستراتيجي في طرائقه القيادية سواء للسياسة الداخلية او الخارجية والهاجس الامني لوزير دفاعه دونالد رامسفيلد جعله يقف في مكان غاية في التطرف ازاء دول كبيرة كالصين وروسيا كذلك ما تسميها الولايات المتحدة بالدول المارقة وبالطبع هذا سيعيد اجواء الحرب الباردة من خلال اسلوب عسكرة السياسة الخارجية والداخلية التي يمكن ان توضحها شرعنة منظومة الدافع الصاروخي التي وعد بها جورج بوش شعبه اثناء حملته الانتخابية وتابعها بعدها. وهذا بالطبع يجعل شكل العداء الخارجي للولايات المتحدة مرهونا بأساليب سياستها التي اتضح تأثيرها على الداخل الامريكي قبل غيره فهي اولا المعارض الدائم لاتفاقيات كثيرة تخص المجتمع الامريكي وتطال في فائدتها البشرية جمعاء كان آخرها بالتأكيد انسحاب الولايات المتحدة من مؤتمر مناهضة العنصرية في دوربان اضافة الى رفضها توقيع عدد من الاتفاقيات تتمثل في اتفاقية «كيوتو» واتفاقية توفير أدوية الايدز للعالم وهناك عدد من الاتفاقيات والمواثيق الخاصة بالارهاب رفضت واشنطن التوقيع عليها ومنها اتفاقية مونتريال عام 1971 المتعلقة بأمن الطائرات واتفاقية روما لتأمين الملاحة البحرية ضد الارهاب الموقعة عام 1988 وكذلك اتفاقية تميز المتفجرات البلاستيكية عام 1991. اختراق صهيوني ولكن الواقع قد ضرب الولايات المتحدة من الداخل رغم كل شيء فهذه العملية المنظمة تضع الداخل الامريكي امام تساؤل كبير هل يمكن ان يضرب الداخل الداخل؟! الواقع ان ادارة بوش الجديدة نسبيا قد وضعت نفسها داخل حزام من اللوبي الصهيوني امتد من البيت الابيض الى الكونجرس الى البنتاجون الى الخارجية وطال وكالة الاستخبارات الامريكية (IA(c وهذا الاختراق الصهيوني العلني والسري في آن معا يجعل علامات الاستفهام الكثيرة تحيط بصورة ما حدث في نيويورك وواشنطن. اما واقعية التفكير بضرب الداخل من الداخل فإن المجتمع الامريكي غير مستعد لقبول ذلك وهو يتمنى في قرارة نفسه ألا تكون الجهة المنفذة جهة خارجية ومع ذلك فإننا لا ننسى ان الميليشيات اليمينية الامريكية هي جزء من المجتمع الامريكي وأن في الولايات المتحدة اكثر من ثلاثة آلاف منظمة تنطبق عليها صفة الارهاب. ومن ذلك فإن الولايات المتحدة سوف تعيد صياغة سياستها الداخلية والدولية فهي الآن محاطة بهاجس امني تسعى الى تأكيده على كل المستويات ولعلها قد تزيد من ضغطها على الدول والتنظيمات التي لم تلجأ الى مظلتها، ولكن مع كل هذه الضغوط فإن الولايات المتحدة ستسعى من طرف آخر الى اعتماد صيغة جديدة لعلها تكون متتالية بديهية في الانفتاح السياسي الذي يعيد موقعها بمعنى آخر انها ستبعد التفكير بشكل جدي في اسلوبها السياسي المعتمد والممارس على الكثير من الدول سواء كانت دولا حليفة او غير ذلك وهذا بالطبع سيحدد اساليب تعامل جديد وطرائق جديدة لن تستطيع الولايات المتحدة تجاهلها حتى وإن كانت تشير الى اصابع خارجية لأن حتمية التأثير السياسي لابد ان تأتي بطرق مختلفة سواء عن طريق الاحتواء او غيره من الطرق ترغيبا وترهيبا. ومن ناحية اخرى كيف يمكن للرئيس الامريكي وإدارته ان تثبت للمجتمع الامريكي قدرتها على القيادة بعد هذه الضربة المؤلمة انسانيا؟! المعروف ان الرئيس جورج بوش كاد ان يدخل الى الحلبة الخاسرة في الانتخابات الاخيرة ولكنه دخل الى البيت الابيض خاسرا وخسارة نصف المجتمع الامريكي قد تجعله يخسر النصف الآخر بعد هذه الضربات مما يعني حركة جديدة داخل الولايات المتحدة تتمثل بوصفها ردة فعل موضوعية على طريقة القيادة الجديدة والتي ابدت بعض الاضطراب في حلبة السياسة، ناهيك عن ان الصراع الحزبي في الولايات المتحدة يبقى قائما سواء من خلال الحزبين الرئيسيين او داخل الاحزاب الاخرى وهذا بالطبع سيجعل المواطن الامريكي يعيد حساباته في تأييده لهذا او ذلك مما يجعل موضوعية الامر بالمقابل تتجه نحو عمل جديد وبطريقة جديدة للأحزاب الامريكية تفرضها طبيعة الظروف ويمكن لهذا ان ينسحب على طريقة الدعم الامريكي لدول قد لا تعني للمواطن سوى دفع الضرائب لمساعدتها ودفع الارواح في حالة الهجوم الاخير ردا على سياستها؟! لذلك فإن صياغة سياسة جديدة للولايات المتحدة لابد ان تبدأ منذ اللحظة الاولى التي تلت الانفجار لأن الحالة الغرورية التي وصلت اليها الادارة الامريكية في تجاهلها لآلام الشعوب الاخرى ادت الى ألم حقيقي ذهب ضحيته الكثير من المواطنين الابرياء الذين يرددون النشيد الامريكي، فهل هذه التجربة الأليمة انسانيا ستفتح اعين الادارة الامريكية على آلام الآخرين الذين يعانون من عولمة الولايات المتحدة وسيطرتها على العالم لكي تستطيع البشرية جمعاء ترديد نشيد المحبة؟! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق