خمسة آلاف قتيل من المدنيين الأبرياء تحت ركام «مركز التجارة العالمي» في نيويورك، بالاضافة الى مئات مثلهم انهارت عليهم طوابق مبنى «البنتاجون» في واشنطن. «جريمة القرن».. «عملية وحشية»: هكذا تناغمت عواصم الغرب.. ومن ثم انبثقت الدعوة الى «تحالف دولي» لتعقب المجرمين واجتثاثهم من الجذور، افراد كانوا أم جماعات أم دولا. ونتوقف لنتساءل كما تساءل روبرت فيسك في صحيفة «اندبندنت» اللندنية: أين كانت هذه اللغة عند مقتل 17 الف لبناني في صيف عام 1982 بسبب الغزو الاسرائيلي الكاسح للاراضي اللبنانية بقيادة الجنرال ارييل شارون؟ ومن ثم تتفرع تساؤلات اخرى لا تزال معلقة بلا اجابة غربية. لماذا لم تصدر دعوة الى «تحالف دولي» ضد اسرائيل عندما اختتمت ملحمتها اللبنانية بذبح الفي مدني فلسطيني بريء معظمهم نساء واطفال وعواجيز في احدى ضواحي بيروت؟ واذا كان البرجان التوأمان لمركز التجارة العالمي في نيويورك دخلا التاريخ كرمزين دمويين ابتداء من 11 سبتمبر 2001، فقد سبقهما الى بوابة التاريخ بنحو 19 عاما صبرا وشاتيلا ـ المخيمان التوأمان للاجئين الفلسطينيين في بيروت. وصاحب هذا التدبير الآثم لم يطلب الى محاكمة، رغم ان لجنة تحقيق اسرائيلية سجلت عليه ادانة. فقد بقي حرا طليقا طوال هذه السنين الى ان انتخب رئيس حكومة هذا العام بتفويض شعبي محدد: ابادة الشعب الفلسطيني. واذا كان الامريكيون الآن وهم يكابدون كارثة تفجيرات نيويورك وواشنطن غاضبين على مشهد بضع عشرات من الفلسطينيين في معسكرات لاجئين ابتهجوا ووزعوا الحلوى احتفالا بالكارثة الامريكية، فالتساؤل يتكرر: اين كان هذا الغضب عندما اعطى ملايين الاسرائيليين رخصة مفتوحة لارييل شارون بدم بارد لكي يجتث الشعب الفلسطيني من على وجه الارض؟ واين مثل هذا الغضب الامريكي وشارون يواصل اليوم وغدا تنفيذ هذا التفويض الشعبي بدبابات وطائرات اف ـ 16 ومروحيات «اباتشي» هي من انتاج «جنرال دانيامكس» و«بوينج» في سياتل و«ماكدونيل دوجلاس»، وتسلم امداداتها الى اسرائيل بواسطة ادارات امريكية بالمجان؟! الآن، على خلفية تحريض اعلامي ضد المسلمين عامة والعرب خاصة في الولايات المتحدة يتخذ طابع التحليل، تدعو واشنطن الى تكوين «تحالف دولي» ضد الارهاب العالمي. والدعوة موجهة بصفة خاصة الى الحكومات الاسلامية. هنا تتبلور امامنا مفارقة بأثر رجعي. فاذا كان مصرع خمسة آلاف مدني بريء في الارض الامريكية يستدعي استنهاض العالم بأسره، بما في ذلك الدول الاسلامية لتتخذ مكانا في مقدمة الحملة جنبا الى جنب مع اسرائيل، فلماذا لم تجد واشنطن مبررا لمثل هذا الاستنفار العالمي عندما نفذ صرب البوسنة في اوائل عقد التسعينيات مذبحة جماعية راح ضحيتها بدم بارد ثمانية الاف رجل مسلم دفعة واحدة. ولا اريد ان اقلل من أهمية، بل وقدسية مبدأ التعاون الدولي من اجل اسناد الشرعية الدولية على أسس العدالة، لكن اعارض منهج الانتقائية التحيزية عند تطبيق هذا المبدأ. والا فانه اذا كانت هناك دولة واحدة ينبغي ان يشكل ضدها تحالف دولي فهي اسرائيل دون منازع.. تلك الدولة الوحيدة في هذه الدنيا العريضة التي لا تزال تحتل ارض شعب بالقوة ثم تعمد الى معاقبته جماعيا اذا ابدى اي بادرة احتجاج. لكننا عوضاً عن ذلك نرى الدولة العظمى الامريكية تبتدع قائمة للارهاب تتكون غالبية مفرداتها من اسماء دول ومنظمات صنفت كذلك، لا لأي سبب الا لأنها تتخذ موقفا معارضا من تلك الدولة الارهابية الخارجة علنا على القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. أحمد عمرابي