غالباً ما ينطلق البعض المتخصص أو السياسي في تبسيط الأشياء ،حتى المتأججة منها مثل قضية التنافس في حوض وتحت مياه بحر قزوين الذي يستحوذ على كميات هائلة من النفط قدرها الخبراء توافقاً أو تقريباً، ما يكفي لإشعال أفران العالم الصناعي لعدة عقود. بل غالى البعض في تقديره ودفعته جرأته لتقديرها بأنها تكفي العالم على هذا المنوال حوالي ستة عقود قادمة رغم الحاجة والطلب المتزايد على الطاقة النفطية بالتحديد والتي ليس للعالم غنى عنها بسبب الفشل في التوصل إلى خلق البدائل الموازية أو المجدية. لكن قبل البحث في التفاصيل عما تخبئه هذه المنطقة من مفاجآت وعن الصراعات المنظورة القادمة التي ستحاول مجموع الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً بطبيعة الحال ما أمكنها من إعادة ترتيب الأوضاع بما يتوافق واستراتيجيتها النفطية الجديدة لمنطقة القوقاز وقزوين بالشراكة مع الشرق الأوسط وبالتحديد مع الخليج العربي وبلاد الشام والعراق، لا بد من الاعتراف أن سقوط الاتحاد السوفييتي السابق قد خلق خلطاً بالأوراق والاصطفافات والتحالفات السياسية وتغيراً حقيقياً حتى في شكل العلاقات البينية ليس لجهة الدول الخمس المتشاطئة في بحر قزوين، روسيا وإيران وتركمانستان وأذربيجان وأوزبكستان بل ولجهة الاستطالات الجغرافية والديموغرافية المرتكزة إلى المصالح البينية والتي استمرت على مدار ما يزيد عن ثمانية أو تسعة عقود ونيف في ما مضى، من خلال اتفاقيتي 1921 و1940 اللتين لم تتناولا سوى الملاحة وصيد الأسماك ولم تتطرقا من بعيد أو من قريب إلى استغلال الموارد الأخرى كالنفط والغاز والأملاح والمعادن وما إلى ذلك. وهذا الأمر يتمثل في العمل الدؤوب من قبل بعض القوى الدولية الفاعلة على احياء بعض التحالفات والمحاور التي ظن البعض أنها رحلت مع رحيل الحرب الباردة لتصبح في زوايا أو أروقة التاريخ المظلمة: لدرجة أننا بدأنا نشهد من جديد حميّة غير مسبوقة من ذي قبل لـ «سياسة الاحتواء» التي كانت السمة الأبرز في الحرب الباردة وأكثر من ذلك أنها أصبحت تأخذ نمواً ملحوظاً بذات قواعد الاحتواء وأدواته لكن هذه المرة، رغم أنها تحمل نفس الأهداف والمرامي اعتمدت على أشكال مختلفة من الصراعات العاصفة التي أنتجت محاور وتحالفات جديدة، ما كان لها أن تنشأ أو حتى ترى النور لولا حدوث تلك التحولات المذهلة وغير المتوقعة التي ذهبت معها مركزية موسكو. بل أكثر من ذلك أن ما تحاول بعض دول آسيا الوسطى المنضوية في إطار رابطة الدول المستقلة إشاعته حول انتهاج سياسة الانحياز الإيجابي هو مجرد ذر للرماد بالعيون كما يقال وليس واقعاً سياسياً على الأرض فتركمانستان التي كانت السباقة لطرح فكرة الانحياز الإيجابي على سبيل المثال لا الحصر ارتكزت في كل سياساتها أو في معظمها على بناء شراكة أو محور جديد تأخذ فيه دور الوسيط المحاصص ما بين روسيا وإيران والمرتكز إلى ما يسمى بالواقع الجيو- سياسي. وقد خلقت هذه السياسة عينها محوراً روسياً -إيرانياً - تركمانياً يقوم على مواجهة المحور التركي -الأذربيجاني - الاوزبكي المدعوم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية الغربية والذي يهدف إلى التمدد بثلاثة خطوط برية محمية ومأمونة الأول يخترق العراق وصولاً إلى بلاد الشام والذي سيقلل من تأثير النفوذ الغربي في آسيا الوسطى والشرق الأوسط ويقف سداً منيعاً أمام ترتيب محور الدول الناطقة بالتركية المدعوم أمريكياً وإسرائيلياً وبديلا بحرياً لتصدير المنتجات النفطية إلى العالم الآخر. أما الثاني فهو يقوم على اختراق أفغانستان وباكستان وصولاً إلى الهند وقد يتخطاها إلى الصين فيما بعد من خلال مشروع مد خط أنبوب الغاز الذي لم تسمح له ظروف أفغانستان والصراع الدموي الدائر فيها والعلاقات الباكستانية - الهندية المتدهورة بالإقلاع كي يرى النور لكن لا تزال المداولات تجري من خلف الكواليس والتي على ما يبدو باتت تجد صدى إيجابياً عند كافة الدول بما في ذلك حكومة طالبان التي باتت أيضاً هي الأخرى ترى أن استقرارها لن يتأتى إلا بدخول شراكات سياسية - اقتصادية مع ذات الأطراف التي تدعم وعلى الدوام تأجيج الصراعات الداخلية والتي بدورها ستخفف من الإتاوات والشروط الغربية المجحفة المفروضة عليها: ناهيك عن أنها تبحث عن اعتراف بعض دول المحيط الجغرافي بها مثل إيران وروسيا وحتى الصين خاصة بعد أن وصلت شركة البترول الوطنية في الصين إلى كازخستان واشترت في عام 1998 حصة قدرت ـب 60% من حقل «اكتييوبينسك» مقابل 325 مليون دولار وتعهدت باستثمار أربعة مليارات من الدولارات كحصة إضافية على مدى السنوات العشرين المقبلة في القطاع النفطي الكازاخستاني وهذا الأمر سيقلل من اعتماد الثانية على روسيا في تصدير نفطها. وأما المحور الثالث فهو يتركز على اختراق باتجاه الخليج العربي وصولاً إلى شواطئ البحر الأحمر الإفريقية وهذا المحور قد يؤدي إلى حالة من الجفاء في بعض العلاقات البينية بسبب جملة من المشكلات العالقة والتي لم تحل بعد مع بعض دول المحيط الجغرافي التي تكتسب أهمية مركزية في مجموع هذه المحاور التي يجري العمل على إنجازها ومن نافلة القول أن هذا المحور سيطال السودان ويستقر بمصر باعتبار مصر الثقل المقابل القادر على إنجاح هذا المحور وبالنظر إلى ما تمتلكه مصر من ممر بحري أهم بكثير من البوسفور التركي باعتراف تركيا ذاتها التي لا تستطيع تحمل حركة عبور ناقلات البترول إلى البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق البسفور المزدحم بالبواخر. بالمقابل هناك عمل دؤوب من قبل الغرب لتحويل بحيرة قزوين إلى مصدر رئيسي ومركزي لإمدادات الطاقة في العالم استثمارات وعائدات تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار في تقديراتها الأولية ؛لكن شروط نجاح هذه العملية التنافسية يقوم على إنجاح كل لمشروعه فإذا كانت روسيا وجدت في إيران وتركمانستان الأساس المناسب والموضوعي قياساً لحاجة الأطراف لنجاح مشروعها المشترك في غمرة التنافس الحاد فقد وجدت الولايات المتحدة ضالتها في أذربيجان وجورجيا كوسيط تركيا المستقر والبوابة البحرية التي تقع على البحر الأبيض المتوسط والموصل للغرب وأسواقه والقادر على حماية هذه المصالح بكافة الطرق والوسائل المفروضة والمتاحة في آن معاً. لكن بالمقابل يجب الاعتراف بأن كل ما تسعى له الدول مجتمعة وضعها بكل تأكيد في ساحة مكشوفة للاختبار الحقيقي ليس لقدرتها التكنولوجية البحثية التنقيبية بل ولقدراتها العسكرية والأمنية الاختراقية القادرة على فرض شروطها فالولايات المتحدة على سبيل المثال تقوم منذ مدة بحملة قوية غير معلنة تهدف إلى السيطرة الكاملة والحاسمة على بحر قزوين. وكذلك سعت وتسعى روسيا جاهدة من أجل هذا الهدف عينه لهذا السبب بالذات أصبحت هذه المنطقة «بحر قزوين» محطاً لانظار الدول العظمى سعياً لتنفيذ سياساتها مما جعلها بؤرة حقيقية للتنافس غير الشريف في معظم الأحيان والتي لا تزال العاصمة الشيشانية «جروزني» العائمة هي الأخرى على بحيرة نفطية تدفع أثمان ذلك التنافس بشكل معلن ومكشوف . وقد أعاد هذا التنافس المحموم للأذهان - وأن بإخراج مختلف قياساً بالأدوات التي كانت مستخدمة - صيغة لعبة القرن التاسع عشر عندما كانت بريطانيا وروسيا تتنافسان آنذاك للسيطرة على بحيرة قزوين بأكملها . وهنا يمكننا الزعم أن منطقة قزوين بخاصة ومحيطها الجغرافي بشكل عام إذا ما بقي التنافس على أشده فيها فستشهد حروباً طاحنة ومفتوحة على كل الاحتمالات وبأدوات وأيديولوجيات مختلفة أيضاً. لنصل بعدها إلى حروب النفط والقبائل والشعوب والمحاور على اختلاف ألوانها وأطيافها السياسية والأيديولوجية. ـ كاتب فلسطيني