«انه اكبر فشل استخباري في حياتنا» هذا ما عبرت عنه السيناتورة الأمريكية الجمهورية دانا رورباشر تعليقا على الفشل الاستخباراتي الأمريكي في رصد عمليتي واشنطن ونيويورك اللتين وقعتا يوم الثلاثاء الماضي، وأدتا الى انهيار برجي مبنى التجارة العالمي في نيويورك وجانبا من مبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» في واشنطن، اما نائب رئيس لجنة الاستخبارات في الكونجرس السيناتور ريتشارد شيلي فقد عبر عن خيبة أمله قائلا «هذا فشل ذو ابعاد كبرى فنحن لم نتلق تحذيرا محددا». لكن اقوى التعليقات التي اطلقت على الحادي عشر من سبتمبر الجاري هو تعليق ووصف المستشار الألماني جيرهارد شرويدر الذي قال عنه «انه يوم غيّر العالم». حقا انه يوم غيّر العالم حيث ان الثلاثين مليار دولار التي تنفقها الولايات المتحدة سنويا على جهاز استخباراتها (سي آي ايه) لم تغن شيئا، بل وجد موظفو السي اي ايه انفسهم لأول مرة في تاريخ المبنى مضطرين للقيام بعملية اخلاء سريع للمبنى بعد هجمات واشنطن ونيويورك ولم يكن الفشل للسي آي ايه وحدها وإنما شاركها في الفشل ثلاثة عشر جهازا استخباراتيا في الولايات المتحدة على رأسها «المكتب القومي للاستطلاع» احدث اجهزة الاستخبارات الامريكية، حيث اسس عام 1990 وظل الى فترة قريبة احد اسرار الامن القومي الامريكي، ومهمته انه يبني ويدير اجهزة وأقمار التجسس الامريكية، ويستطيع ان يستحوذ على رسائل الفاكس والبريد الالكتروني والمكالمات الهاتفية وتصوير حتى أرقام السيارات على الارض في اي بقعة في انحاء العالم. هكذا كانت ترهب امريكا العالم بأجهزتها وبما تسربه الى وسائل الاعلام عن امكاناتها، لكن الفشل الامني والاستخباراتي الذي منيت به الولايات المتحدة الامريكية يوم الثلاثاء الماضي جعل حتى حلفاءها الاوروبيين رغم اعلان تضامنهم معها يؤكدون ان دعمهم لها ليس «شيكا على بياض» كما جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير الذي كان يتحدث باسم الشركاء الأوروبيين، وهذا يعني ان محاولة الولايات المتحدة حشد العالم من ورائها للرد على العدو المجهول بطريقتها التي يبدو انها ستكون على طريقة «رامبو»، لن يكون سهلا. فوزير الدفاع الألماني رودولف شاربنج قال «ان القوات المسلحة الألمانية لن تتحرك للمشاركة في هجوم محتمل دون موافقة البرلمان الاتحادي». ويخشى الألمان من التورط في نزاع عسكري لا احد يعرف مؤداه فيما لو قررت واشنطن القيام بمغامرة عسكرية انتقامية. ورغم ان كل المؤشرات تتجه الى ان عملية انتقامية سوف تشنها الولايات المتحدة ضد افغانستان بعد توجيه الاتهام الى ابن لادن لمجرد ادعاء وجود صورته في سيارة قيل ان احد المتهمين بالقيام بالهجوم كان يستأجرها، فإن افغانستان ليست دولة وإنما هي أطلال دولة لا يوجد بها اي بنية اساسية او بناء قائم على اصوله بعد اكثر من خمسة وعشرين عاما من الحروب المتواصلة، كما ان ابن لادن وغيره من المستهدفين يعيشون في الجبال، ولم يبق امام الولايات المتحدة سوى ان تضع هدفها الاساسي تدمير جبال افغانستان على رؤوس من فيها، وإلا فإن مغامرتهم العسكرية المرتقبة في افغانستان ستكون اشبه بالمغامرة السوفييتية التي كانت المسمار الاخير في نعش الامبراطورية السوفييتية. ان الاربعين مليار دولار التي رصدها او اعتمدها الكونجرس للرئيس الامريكي حتى يقوم بالرد المناسب على مرتكبي العمليات، يمكن ان تكون وقودا لحرب انتقامية تؤدي الى بداية افول الامبراطورية الامريكية وان يكون الحادي عشر من سبتمبر هو يوم غيّر العالم بشكل فعلي. لقد اشار وزير الخارجية البلجيكي في كلمة له يوم الاربعاء الماضي بأن السياسة الخارجية الامريكية ربما كانت سببا فيما حدث، كما ان العداء للولايات المتحدة يتصاعد منذ ضرب هيروشيما ونجازاكي وغزو كوريا والتورط في فيتنام وحروب امريكا الجنوبية، وما وقع ويقع في الشرق الاوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما يدور في افريقيا وجنوب شرق آسيا، فالقوة وحدها لم تعد كافية لقيادة العالم، وحرب انتقامية غير واضحة المعالم لن تعيد لأمريكا هيبتها بل يمكن ان توحلها في مستنقع يجرها الى النهاية، لذلك فإن اصوات العقلاء الامريكيين الخافتة التي تدعو الولايات المتحدة لاعادة النظر في سياستها تجاه الشرق الاوسط خصوصا وتجاه دول العالم بشكل عام، ربما تكون هي المخرج من كل ما يدور. ان المرحلة التي تمر بها الولايات المتحدة الآن مرحلة دقيقة عاشتها كل الامبراطوريات التي زالت خلال القرن الماضي وحده، وعلى رأسها الامبرارطوريات الألمانية والايطالية والنمساوية والعثمانية والسوفييتية، فهل ستنصت الولايات المتحدة لصوت العقل ام ستبدأ الطريق الذي سلكته تلك الامبراطوريات من قبل؟! ـ كاتب واعلامي مصري