رغم التحريض الاعلامي التقليدي المزمن في الولايات المتحدة ضد العرب (والمسلمين عامة) هناك فإن الاقلية اليهودية تبقى هي المجموعة العرقية الأولى في المجتمع الامريكي المرشحة لأن تكون بؤرة للكراهية العامة. شعور الكراهية ضد العرب في امريكا راهنا حالة اصطناعية مفتعلة افتعالا ليس لها جذور داخلية، فهي ناشئة عن الصراع العربي الاسرائيلي خارج الحدود الامريكية.. ولذا فإنها تدخل في باب الحشد الدعائي الذي يوظفه النفوذ الصهيوني لتعبئة المشاعر الجماهيرية الامريكية لصالح دولة اسرائيل مما يتطلب بالحتمية الاساءة الى العرب في الولايات المتحدة وتشويه صورتهم في المجتمع الامريكي. مع ذلك يدرك قادة الاقلية اليهودية الامريكية ان شعور الكراهية الحقيقية المرشح للانفجار مستقبلا هو ذلك الشعور المكتوم لدى جمهرة المجتمع الامريكي ويتمثل في سؤال واحد: لماذا تبقى الاقلية اليهودية فئة متميزة عن غيرها من فئات المجتمع الامريكي لا لأي سبب الا لكونها فقط يهودية؟ وبالتداعي يتخذ السؤال شكلا آخر ذا بعد خارجي على مستوى النخب الامريكية الواعية: الى متى ومن اجل ماذا تخاصم الولايات المتحدة العالم لدرجة المخاطرة بالتضحية بالمصالح الوطنية الحيوية في سبيل حماية دولة اليهود في اسرائيل؟ ان مثل هذا السؤال الخطير المكتوم في صدور الملايين من الامريكيين من غير اليهود قابل للقفز الى سطح الاحداث عندما تقع كارثة جسيمة داخل الولايات المتحدة بحجم وقوة ما وقع صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 من ضربات اسطورية سددت الى منشآت تمثل الرمزية السيادية الامريكية في نيويورك عاصمة أمريكا المالية وواشنطن عاصمتها السياسية. والهدف من الطوفان الاعلامي الكاسح في امريكا الذي انطلق مباشرة عقب وقوع الكارثة متخذا من العرب والمسلمين محوره الرئيسي الضمني هو بالضبط استباق هذا السؤال لمنع طرحه بتوجيه الانتباه الجماهيري في اتجاه مختلف.. اثارة ستار دخاني اعلامي كثيف ضد العرب والمسلمين مع العناية بحصر القضية في الاطار الامني الضيق لكي لا يتساءل الناس في امريكا عن الاقلية التي جلبت اليهم كراهية وحقد العالم بأسره. لقد سمعت أحد كبار نواب الكونجرس الامريكي يطالب بضربة عسكرية امريكية فورية ضد نظام «طالبان» في افغانستان دون ان ننتظر حتى تتوصل التحريات بطريقتها القانونية البطيئة الى دليل قاطع يدمغ اسامة بن لادن. وأردف قائلا: «فلنكتف بالقرائن». ولو صدر مثل هذا القول الارعن عن مواطن امريكي عادي في الشارع ذي ثقافة سياسية محدودة ومدفوع فانفعاله العاطفي لجاز عدم أخذه على مجمل الجد. ولكن ان يصدر القول عن رئيس لجنة الشئون الخارجية في الكونجرس فإن هذا يعني ان مغزى ما قاله يمثل سياسة سلطوية موضوعة وثابتة. ويكون المغزى الضمني في هذه الحالة اذن هو: يجب ان نصرف انتباه الشعب الامريكي عن اليهود والصهيونية واسرائيل بأي ثمن. لولا ذلك لأدى تفجير «مركز التجارة العالمي» ومبنى «البنتاجون» بضربات محكمة التدبير الى تفجير شلال من الاسئلة لمخاطبة المسلك الشامل للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بانحرافاتها واستفزازاتها انطلاقا من مبدأ استرضاء الحركة الصهيونية وحماية دولة اليهود لا حصر المسألة برمتها في اطار اجراءات امنية وقتية. لقد تبارى الرئيس بوش ومساعدوه مع عشرات من الساسة والمعلقين المحترفين في نعت ما جرى في نيويورك وواشنطن بأنه ضربة موجهة الى الديمقراطية والحرية في امريكا.. يقولون ذلك لكي يتفادوا قول ان الضربة موجهة في الحقيقة الى التحيز الامريكي المنهجي لليهود والصهيونية واسرائيل على حساب حقوق شعوب اخرى في التنعم بالحرية والأمان والسيادة.