كان هذا الاسبوع حافلا بالاحداث الرهيبة، غمرتنا خلاله مشاعر عارمة تمتد في نطاق عريض. الفزع: فلن انسى مهما امتد بي العمر صور انفجارات الثلاثاء الدامي، الطائرات وهي تخترق جدران المركز التجاري العالمي الجثث وهي تندفع من المباني، الخوف والصدمة وقد سيطرا على الالوف، فاندفعوا يركضون في الشوارع، واخيرا البرجين وهما ينهاران متحولين الى ركام من التراب والحطام ويختفيان عن العيان الى الابد. على امتداد المحنة جلست شأن ملايين الناس وقد غمرني الذهول والفزع وتخيلت الرعب الذي غمر اولئك الذين كانوا في الطائرات مع اتضاح معالم مصيرهم، خوف الالوف الذين وجدوا انفسهم محتجزين في مبان تحترق، والصدمة التي لابد انها قد هيمنت في مواجهة الموت الوشيك مع تداعي البرجين. الحزن: بعد الذهول الذي واكب الفزع حل الحزن والحداد، ومع تفهم الناس للطابع الهائل للمأساة بدأنا في تقويم ضخامة الخسارة فمن ناحية كان من الصعب تقدير مدى فداحتها ولكن على مستوى شخصي، كان الامر شديد الواقعية وعلى امتداد الليل تابعنا افراد العائلات وهم يمسكون بصور الامهات والآباء والاخوات والاخوة والابناء والبنات والجيران والاصدقاء وكانت كل خسارة شيئا حقيقيا ويشكل نهاية للوجود، وما من سبيل لجمع كل هذه الخسائر، فقد غدا هذا شيئا يستعصي على التفكير. وبالنسبة لي كان الامر شيئا شخصيا، فقد سبق لي ان مضيت الى البرجين، وكان معهدي يخطط لافتتاح مكتب تابع له في نيويورك، وعلى وجه التحديد في احد البرجين وقد عرفت اناسا من بينهم العديد من الامريكيين العرب والمسلمين الذين كانت لهم مكاتب في هذين المبنيين، ولست ادري ما اذا كانت قد قدرت لهم النجاة ام رحلوا عن عالمنا. الخوف: في غضون ساعات من الهجمات الاولية حل الخوف من رد فعل جائح، فقد كان من المحقق ان الصور النمطية السلبية والتحيز الكامن في النفوس ضد العرب والمسلمين من جانب البعض، كل هذا من المحتم انه سيفصح عن نفسه في صورة تحركات ضد الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين. وان ذلك قد حدث من قبل، وكنا نعرف انه سيحدث مجددا عند الظهيرة، اقبل عناصر امن المبنى لاخلاء مكتبي في واشنطن العاصمة حيث اننا لانبعد الا كتلتي مبان عن البيت الابيض وقد رفضنا مغادرة المكتب فقد كان قادة الجالية الامريكية العربية يتصلون طالبين المساعدة، حيث احتاجوا الى تصريحات ونقاط للمناقشة، واعرب افراد من الجالية الامريكية العربية عن مخاوفهم وحاجتهم الى الدعم والتأييد فعقدنا العزم على البقاء وتقديم العون طالما بمقدورنا ذلك. في الاصيل بدأت تنهمر المكالمات والمراسلات بالبريد الالكتروني التي تحمل مشاعر الكراهية وكانت مكالمات بذيئة تدعو للانتقام من العرب. في صبيحة اليوم التالي تحولت المكالمات والمراسلات الالكترونية المفعمة بالكره الى فيضان، وكان بعضها شخصيا وجاء في احداها قول صاحبها: «جيم، انت يا رأس المنشفة القذرة، الموت لكل عربي! لسوف نقطع عنقك ونقتل اولادك!». وكانت مكالمات أخرى اكثر عمومية. استدعينا رجال الشرطة الذين اقروا بصحة مخاوفنا وعرضوا علينا الحماية وعلى امتداد الاسبوع المنصرم فرضت حماية الشرطة على مكاتبنا. كانت التقارير الواردة من ارجاء الولايات المتحدة مخيفة، وكانت هناك هجمات عنيفة وتهديدات واعمال منوعة قوامها الكره والحقد. اسفر هذا كله عن وضع الامريكيين العرب في وضع صعب، فباعتبارنا امريكيين وبشرا كنا في حالة حداد ولكن مع وقوع الهجمات فان الخوف يجتذبنا بعيدا عن الحداد، ويوجد صراعا داخليا عميقا. التصميم: كان ذلك هو الذي دفعنا الى الرد، فقد اتصلنا بالادارة للتصدي للحقد ومضينا بندائنا الى اجهزة الاعلام كذلك. لم نوجه نداءنا على المستوى القومي فحسب، وانما مضينا به الى المستوى الشعبي كذلك مستغلين شبكتنا من الامريكيين العرب في مختلف ارجاء الولايات المتحدة وفي واشنطن وغيرها رفع الامريكيون العرب اصواتهم طالبين العون وساعين الى تصريحات من المسئولين المنتخبين ومن التنظيمات المدنية والقائمة على فرض القانون وعقدنا العزم على ألا تترك جاليتنا عرضة للمخاطر والمخاوف وضحية سهلة المنال لكل من يريد الهجوم عليها. الرضا: كان رد الفعل فوريا وكاسحا، ووصل رد فعل اجهزة الاعلام اولا، وخلال الايام القليلة الماضية ظهرت مرات عدة على شاشة كل شبكات التلفزيون الامريكية الكبرى واجريت معي مقابلات اذاعية ومقابلات نشرت في عشرات الصحف، وقام آخرون في مكتبي وفي منظمات امريكية عربية بالشيء نفسه، وتمكنا من خلال هذه المقابلات من ان نحدد للأمريكيين هويتنا وكيف اننا باعتبارنا امريكيين نحزن لفقدان مواطنينا، كما تمكنا كذلك من استنكار اندفاع المهاجمين الى اصدار الاحكام علينا والى وضع الذنب الجماعي على كاهل الامريكيين العرب. وفي غضون ساعات بدأت رسائل التأييد تنهمر على مكاتبنا، فقد اتصلت بنا وزارة العدل ودعتنا الى اجتماع طارئ مع مساعد وزير العدل لشئون الحقوق المدنية وأركان مكتبه، وتلقيت دعوة لاجتماعات مع عدد من كبار المسئولين كذلك. وكنا قد طلبنا اصدار بيانات تدين الجرائم ضد الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين وانشاء آلية تكفل اقامة الدعاوى القانونية ضد من يوجهون التهديدات الى جاليتنا وقد وافق المسئولون على مطالبنا جميعها، وبعد ساعة تحدث وزير العدل قائلا: «أخيرا، فان أمتنا تهيب بنا في أوقات كهذه ان نكون على افضل ما يمكننا ان نكونه، فاذا اريد لنا التماسك في وقت عصيب كهذا، فاننا ينبغي ان نكون على افضل ما نستطيعه، ومنذ يوم الثلاثاء الماضي تلقت وزارة العدل تقارير تفيد بارتكاب اعمال عنف وتوجيه تهديدات بمثل هذه الاعمال ضد الامريكيين العرب والامريكيين من اصول شرق اوسطية وجنوب آسيوية. ولا ينبغي لنا ان نتردى الى مستوى من ارتكبوا عنف الثلاثاء الماضي باستهداف افراد على اساس العرق او الدين او الاصل القومي. ان هذه التقارير عن العنف او التهديدات تتناقض بشكل مباشر مع المبادئ والقوانين ذاتها التي تدافع عنها الولايات المتحدة، ومثل هذه التقارير عن العنف او التهديد به لن يتم التسامح مع من يقفون وراءها». وقد بدأ قسم الحقوق المدنية ومكتب التحقيقات الفيدرالي في اجراء تحقيقات حول الانتهاكات المحتملة بنية التحرك السريع لرفع دعاوى قضائية لضرب مثل للفعالية في فرض القانون. كان ذلك في صبيحة الخميس الماضي، وفي اصيل ذلك اليوم تلقيت اتصالات هاتفية ورسائل شخصية من اعضاء مجلس الشيوخ ادوارد كيندي، ديبي ستابينو، جون ادوارد، روس فاينجولد، توم هاركن، وجوليبرمان، كما اتصل بي كذلك العديد من اعضاء مجلس النواب الامريكي وقادة الهيئات العرقية على اختلافها «منظمات ايطالية، ايرلندية، لاتينية، برتغالية، امريكية، افريقية، اسيوية.. الخ» واتصل بي كذلك العديد من القادة الجمهوريين، مثل حاكم ولاية فلوريدا جيب بوش، وعضو مجلس النواب الامريكي السابق جاك كيمب وتحركوا للدفاع عن حقوق الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين، وانقلب اتجاه طوفان البريد الالكتروني، ومقابل كل خمس رسائل طافحة بالكراهية تلقيتها اتلقى الآن مئة رسالة ايجابية مفعمة بالتأييد. وفي وقت متأخر من يوم الخميس الماضي اقر مجلس الشيوخ الامريكي بالاجماع على مشروع قانون ينص على انه «ينبغي حماية الحريات المدنية والحقوق المدنية للامريكيين جميعا بما في ذلك حقوق الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين وحرياتهم». وقد غمرنا هذا الفيض من الدعم النابع من القلوب، وشعرنا بالرضا نتيجة للتغيرات عن الاهتمام بسلامتنا وأمننا. وبدا الامر كما لو ان هؤلاء القادة قد انتزعوا الوقت من لحظات حدادهم ليمدوا يد العون للامريكيين العرب والامريكيين المسلمين وليعانقونا ويحمونا لكي يتاح لنا بدورنا ان نعيش لحظات الحداد كأمريكيين. وقد كانت هذه الرسالة واضحة، ومفادها اننا جميعا امريكيون وقادة امتنا لن يسمحوا لأقلية من المتعصبين بفصل الامريكيين العرب عن باقي الجسم السياسي الامريكي. التعقيد: فيما اعود بذاكرتي الى وقائع الاسبوع بأسره يغمرني دفق من المشاعر، حيث تتعايش المشاعر التي وصفتها في كيان معقد ومركب، فلا يزال يفزعني الطابع الهائل للخوف الذي اثارته احداث الحادي عشر من سبتمبر، واني ليعروني الحزن على فقدان كل هذا العدد الهائل من الارواح، خاصة فيما اتابع بناظري الباقين على قيد الحياة الذين قدرت لهم النجاة لكنهم يبدون شاردين ومتحيرين ومنغمسين في المأساة، ولا يزال الخوف يستبد بي لأنني اعلم انه حتى بالدعم الذي تلقيناه فان الكره لا يزال موجودا وسيظل يطل برأسه البشعة. واعرف كذلك ان اكثر اعضاء جاليتنا عرضة للانتهاك، اي مهاجرينا الاحدث قدوما، يتعرضون لمخاطر كبيرة ويخشون ان ينتهك امنهم، ولهذا فاننا نظل على تصميمنا على محاربة المتعصبين وعلى الدفاع عن حقوقنا وحقوق كل من يتعرضون للتهديد. ولكن في نهاية الاسبوع فان ما يتناهى الى الذهن كذلك هو الوعي بأنه على امتداد هذه المأساة وهذا الفزع فان بمقدور الامريكيين العرب ان يقولوا اننا في حقيقة الامر قد تم الاعتراف بنا واحترامنا وان حقوقنا سيتم الدفاع عنها، ونحن ـ مع كل مواطنينا الامريكيين ـ نقف ضد خطر التربص وتهديد التعصب. وعلى الرغم من المأساة الهائلة التي جلبها الارهابيون الى اعتاب امتنا فاننا سنواصل جهودنا لجعل أمريكا أفضل مما هي عليه ولبناء صرح تفاهم اكبر بين بلادنا، امريكا، وبين البلاد التي ننتمي اليها بأصولنا في العالم العربي. رئيس المعهد الامريكي العربي في واشنطن ـ أسبوع المشاعر المعقدة