نأسف للضحايا الأبرياء في الأحداث الدامية في يوم الثلاثاء الرهيب الذي عاشته أمريكا، حتى ولو لم تأسف أمريكا على ضحايانا، وحتى لو وقف الرئيس الأمريكي وبعده وزير دفاعه قبل أيام يحرضان اسرائيل على قتل الأبرياء من عرب فلسطين ويؤكد أن استخدام الطائرات والصواريخ الأمريكية في هذا العمل الدنئ هو أمر مشروع! نأسف للضحايا الأبرياء حتى لو كنا نواجه الارهاب الأمريكي منذ خمسين سنة وهو يزرع الكيان الصهيوني في ارضنا المغتصبة، ويمنحها الدعم لكي تمارس عدوانها المستمر على العرب، ولكي تدوس على القرارات الدولية وتستمر في احتلالها للأرض العربية وتهويدها للقدس وتدنيسها للأقصى! نأسف للضحايا الأبرياء حتى ولو وقفت أمريكا طوال نصف قرن تحارب الآمال العربية في التحرر والاستقلال، وفي النهضة والتقدم. وحتى لو مارست كل أنواع الضغوط وتمادت في التآمر لابتزاز الثروة العربية ـ وضرب محاولات بناء القوة العربية في كل المجالات الاقتصادية والعسكرية والعلمية، واعتبرت ذلك احدى مهامها المقدسة التي تحفظ لاسرائيل تفوقها، وتضمن لأمريكا مصالحها! ونأسف للضحايا الأبرياء لأننا نحن الذين اكتوينا بنار الارهاب أكثر من غيرنا، ودفعنا ـ ومازلنا ـ الثمن باهظا من استقرارنا ومن امكانيات تقدمنا ومن مواردنا التي يتم استنزافها بينما الارهاب الذي زرعته أمريكا بنفسها في المنطقة، وتبنته ليخوض لها معركتها في أفغانستان، ودربته بإشراف مخابراتها، ووفرت له كل أنواع الدعم عندما كان حليفها، وعندما انتهت المهمة أطلقته على شعوبنا ليعيث في الأرض فسادا، وليقيم المجازر في الجزائر، ويحاول فرض حكم الارهاب في كل البلاد العربية، ويطلق دعوات التكفير، ويهدر طاقات الأمة بدلا من أن تتوجه الى العدو الحقيقي الذي يغتصب حقوقها ويدمر حاضرها ومستقبلها. نأسف للضحايا الأبرياء حتى لو كانت أمريكا تواجه الوحش الذي رعته طويلا واستخدمته كثيرا لتحقيق أهدافها، وحتى لو كانت أمريكا تدفع ثمن السياسات الخاطئة على مدى سنوات طويلة عادت فيها آمال الشعوب وخاصة شعبنا العربي وتفرغت لبناء امبراطوريتها التي أصبحت الأعظم بعد انهيار الامبراطورية السابقة وآخرها الاتحاد السوفييتي ولكن بثمن باهظ من دم الشعوب بل ومن دم الشعب الأمريكي نفسه الذي عانى الزنوج فيه أبشع أنواع العبودية، وعانى الفقراء فيه أبشع صنوف الاستغلال. نأسف للضحايا الأبرياء، حتى ولو كانت أمريكا نفسها بحماقة القوة وغيرتها هي سبب المأساة التي تعيشها الآن، والتي ستؤثر فيها وفي العالم كله لسنوات طويلة قادمة! هاهي يد الارهاب تعصف بأمريكا فتكشف أخيرا وبعد فوات الأوان.. أنه لا توجد حصانة لأي دولة مهما كانت في مواجهة هذا الوباء الذي ساهمت أمريكا نفسها في زرعه والعناية به واستخدامه ضد الآخرين حتى انقلب السحر على الساحر، وبهذه الصورة القاسية التي شهدتها نيويورك وواشنطن. ويبقى السؤال: ماالذي يجعل الدولة الأعظم هدفا لمثل هذه الاعتداءات؟ ولماذا تزايدت مشاعر الكراهية في العالم كله نحو الدولة التي حاولت لسنوات رسم صورة توحي بأنها عنوان الحرية وحماية حقوق الإنسان؟ ولماذا رغم اعتراف المسئولين الأمريكيين بتزايد المشاعر الغاضبة من سياسة أمريكا والكارهة لتوجهاتها.. لماذا بقيت الاستهانة بذلك كله هو السلوك الغالب على المسئولين الأمريكيين وهم يقودون بلادهم الى العداء مع العالم كله؟! لقد كتبت هنا قبل أسبوعين فقط عن البراعة!! الهائلة التي تبني بها أمريكا سد الكراهية من حولها، والثمن الباهظ هو الذي ستدفعه مقابل ذلك. ولم أكن بالطبع أتوقع أنا أو غيري ماحدث، ولكن كل المؤشرات كانت تؤكد أن النهج الذي تسير عليه السياسة الأمريكية يقودها وربما يقود العالم معها ـ الى كارثة! آثار كارثية ولا نريد أن نعود كثيرا الى الوراء ونحن نواجه هذه الأحداث الهائلة التي سيكون لها آثارها الكبيرة والخطيرة على أمريكا وعلينا وعلى العالم كله، ولكننا فقط نقف أمام اللحظة السابقة لانفجارات نيويورك وواشنطن لنكتشف كيف تراكمت الاخطاء في سياسة القوة الأعظم التي خرجت الى العالم ذات يوم بعد أن فكت عزلتها في النصف الأول من القرن الماضي لتقدم نفسها باعتبارها رسول الحرية والعدالة في العصر الحديث. وكانت صدمة الشعوب الباحثة عن الحرية والاستقلال كبيرة، حين وجدت أن رسول الحرية ليس الا الممثل الرسمي لأعتى قوى الرأسمالية المستغلة التي تريد أن ترث الاستعمار القديم وتقيم استعمارها الحديث الذي يستخدم الانتصار بدلا من الدولار. وكانت سنوات مريرة من المعارك المستمرة مع كل من رفض هذه السياسات، ولكنها انتهت بانتصار حاسم للولايات المتحدة الامريكية وبانهيار الاتحاد السوفييتي وبسقوط معظم الدول النامية في بحر الديون الذي تم استدراجها اليه. ومع ذلك، فقد كان أمام الولايات المتحدة الأمريكية أن تكتب تاريخا جديدا لها وللبشرية لو قررت وبعد انتصارها الحاسم ـ أن تقود البشرية الى عالم يتقاسم فيه الجميع الخبز والحرية، وتمد فيه الدول الغنية يد المساعدة للدول الفقيرة، وتسقط الديون عنها وتساعدها على قهر الفقر وبناء مجتمعات العدل والحرية. لكن أمريكا كانت مخلصة لتاريخها، وكانت متسقة مع تكوينها وطبيعة الطبقات الحاكمة فيها. واختارت أن تكون مجرد دولة استعمارية تبني امبراطوريتها التي تثق في أنها ستكون أقوى امبراطورية شهدها التاريخ. وهكذا.. لم تجد أمريكا بأسا في اغراق العالم في الحروب الأهلية أو غير الأهلية مادام هذا سيحقق مصالحها.. فتخضع أوروبا لنفوذ واشنطن، وتظل أفريقيا في فقرها وتعاستها مجرد مورد للمواد الأولية التي يحتاجها الغرب وهو يبني حضارته الجديدة بقيادة الإمبراطورية الأعظم في التاريخ. وهكذا أيضا.. فرضت أمريكا نظامها العالمي الجديد الذي تضع فيه كل موارد العالم تحت قبضتها وقبضة حلفائها، والذي أصبح هو البديل الرسمي لاستعمار القرون الوسطى ولكن بثوب جديد يعتمد على الاقتصاد، ويقيم سوقا عالمية يزداد فيه الاغنياء غنى وتتضاعف فيها معاناة الفقراء. وهكذا أيضا.. مضت أمريكا تسدد الضربات للشرعية الدولية، وتتعامل مع الأمم المتحدة باعتبارها قيدا على حركتها لا لزوم له، وتمزق الاتفاقات التي وقعتها وتدوس على التعهدات التي التزمت بها ـ وتبدأ سباقا جديدا للسلاح ضد اعداء مازالت تبحث عنهم! وهكذا أيضا.. وضعت أمريكا كل امكانياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية لدعم اسرائيل وهي تمارس حربها لابادة الشعب الفلسطيني، وأعلنت على لسان رئيسها ونائبه ووزير دفاعه أن استخدام اسرائيل للطائرات والدبابات والصواريخ الأمريكية في عدوانها على الشعب الفلسطيني الأعزل أمر مشروع، وان المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي هي الارهاب.. ولم تبال أمريكا بمشاعر الغضب والاستياء والكراهية وهي تنتشر ضدها في العالمين العربي والاسلامي، تماما كما لم تبال بمشاعر العالم كله في مؤتمر دوربان وهي تنسحب احتجاجا على ادانة اسرائيل، وتهربا من مسئوليتها في قضية استعباد الأفارقة وتحويلهم الى رقيق بنى أمريكا التي ترفض تعويضه عن سنوات العبودية، أو حتى الاعتذار عنها! وكان الغريب انه مع ازدياد مشاعر الكراهية ضدها في العالم كله، كانت أمريكا تستهين بالجميع، وتتصور أن أحدا لن يجرؤ على الاقتراب منها أو المساس بمصالحها.. حتى وقعت الواقعة وأفاقت أمريكا على الكارثة. ماذا ستفعل أمريكا في مواجهة الكارثة التي اصابتها وهزت هيبتها وأضرت باقتصادها وكشفت عجز أجهزتها الأمنية وضربت غرورها وثقتها المفرطة بالقوة التي لم يشهد التاريخ مثيلا لها؟ الصدمة شديدة ولا شك، والخسائر فادحة ماديا ومعنويا، ولكن الخسارة ستكون أكبر لو أساءت أمريكا التصرف أو اعماها الغضب ففقدت القدرة على التصرف بعقلانية وهدوء، وانساقت وراء المشاعر المشتعلة والرغبة في الانتقام المريع حتى لو أخطأت الهدف كما حدث في مرات سابقة. لا نريد أن نستبق الأحداث، ولكن الأجواء المحمومة ضد العرب والمسلمين داخل أمريكا وخارجها تنذر بالخطر. والتسرع في توجيه الاتهامات قبل التوصل الى حقيقة ماحدث تعطى مؤشرات مقلقة، والنشاط الاسرائيلي المحموم سواء لتوجيه مشاعر الغضب الأمريكي ضد العرب والمسلمين أو لاستغلال اللحظة في تصعيد حرب الابادة ضد الفلسطينيين تثير الشبهات وتفتح الباب لتطورات خطيرة، اذا لم توقف واشنطن ذلك كله وتتصرف بموضوعية وتبحث عن المستفيد الحقيقي مماحدث. إننانقدر بالطبع مشاعر الحزن والأسى على الضحايا الابرياء، ولكن مانخشاه هو أن تنساق الادارة الأمريكية وراء الرغبة في الانتقام السريع بدلا من البحث في أسباب ما وقع؟ ولماذا كانت الكارثة؟ ومن المسئول الحقيقي عنها؟ وكيف استطاعت أمريكا أن تحيل مشاعر الإعجاب بها وبتجربتها الديمقراطية وتقدمها المذهل الى مشاعر الكراهية والسخط؟ مراجعة السياسة السابقة تكتشف أمريكا الآن ـ وبعد الكارثة التي واجهتها ـ أن الارهاب هو عدوها الأساسي وانها بحاجة الى تضامن العالم كله من أجل مواجهته، وتعلن أنها تريد حلفا دوليا يشارك فيه العرب والمسلمون من أجل هذه المواجهة؟ وهذه المواجهة تتطلب من امريكا أولا أن تقوم بعملية مراجعة لسياساتها السابقة وأن تدرك الأخطاء التي وقعت فيها، وأن تتأكد أن المواجهة التي تطلبها لن تنجح الا اذا توافرت لها شروط أساسية في مقدمتها: ـ أن تقر أمريكا بمسئوليتها عن هذا الارهاب الذي تتحدث عنه، فهي التي دربت ومولت واستخدمت هذا الارهاب حين كان يحقق لها أهدافها اثناء الحرب الباردة، وهي التي أطلقته على البلاد العربية بعد ذلك يعيث فيها فسادا ويقيم المذابح باسم الاسلام المفترى عليه. ـ أن تدرك أمريكا أن انطلاقها وراء فكرة اختراع عدو للحضارة الغربية الامريكية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ومحاولتها جعل الاسلام هو هذا الخطر المزعوم هو خطيئة كبرى ينبغي التوقف عنها قبل أن يتحول الأمر الى حرب دينية ستكون أمريكا ـ كما أثبتت الأحداث ـ ضحيتها الكبرى. ـ إن الارهاب الأكبر الذي يواجهه العرب والمسلمون منذ نصف قرن هو هذا الكيان العنصري النازي الذي تم غرسه في الارض العربية. والذي يمارس على أرض فلسطين المغتصبة أبشع أنواع الارهاب.. وبحماية امريكا ودعمها. ـ إن ما يمارسه الشعب الفلسطيني وهو يقاتل الاحتلال ويبحث عن الحرية هو أمر مشروع تكفله المواثيق الدولية، وأن أمريكا ترتكب خطأ فادحا حين تصفه بأنه ارهاب وتطالب العرب بالتصدي له بدلا من دعمه. ـ إن الاستهانة بالعرب والاصرار على الوقوف في وجه كل محاولاتهم للتحرر والتقدم والنهوض والوحدة.. هو خطأ تصر عليه أمريكا منذ نصف قرن رغم المصالح الهائلة لها في المنطقة، ورغم التحذيرات المتكررة من عواقب هذه السياسات. إن العولمة بصورتها الحالية التي تدعمها أمريكا هي دعوة صريحة للمواجهة العنيفة وعدم الاستقرار وازدياد التطرف. فلا يمكن أن تستمر أوضاع يعاني فيها البشر من الفقر والجوع، بينما تزداد أمريكا وحلفاؤها ثراء ورفاهية. ولا يمكن أن تستمر أوضاع تتدهور فيها أوضاع الأغلبية في كل دول العالم ـ حتى في أمريكا نفسها ـ لحساب الأقلية التي تملك الثروة والسلطة. وقد تكون هذه هي لحظة الحزن الأمريكي في أشد صورها.. ولكن المهم الا تعقبها لحظات من الانتقام السريع من جناة حقيقيين أو وهميين، بل أن تكون أمام أمريكا الفرصة لمراجعة شاملة للسياسات الخاطئة التي أثارت مشاعر السخط ليس فقط خارج أمريكا وانما أيضا من داخلها حيث تنمو الرأسمالية المتوحشة على أجساد ملايين الفقراء، وحيث تتصور القوى المهيمنة على مقاليد الأمور في الدولة الأعظم أن القوة وحدها يمكن أن تضمن لهم السيطرة على العالم كله.. حتى ولو غاب العدل وسقط الضعفاء في بئر الفقر وأدركهم اليأس من الحاضر والمستقبل معا! ـ نائب رئيس تحرير جريدة «أخبار اليوم» المصرية