«العربي» كما نعرفه ويعرفه الجميع وحسبما أورد عنه التاريخ هو رجل يجمع من الاخلاق احسنها، ومن الشيم والصفات أفضلها هو حفيد ذاك الرجل الذي عاد الى ديار «النعمان بن المنذر» وفاءً بوعده بالرغم من علمه المسبق بما ينتظره من ضرر لكنه رغم ذلك عاد لأنه وعد، والعربي ان وعد كان عليه الوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه. وهو حفيد ذلك الرجل الذي دق باب داره ضيف على غير ميعاد، فلم يجد إلا الشاة الوحيدة التي يمتلكها ليكرم بها ضيفه، رغم اعتماده على حليبها في معيشته واطفاله. العربي هو العاقل الحكيم الذي يحافظ على عرضه ويحرص على جاره وان كان من غير ملته أو عرقه، وليس بعيداً عن ذلك ما عرفته العصور من رجل يتحلى من اتصاف بالمروءة والنخوة والشهامة والشجاعة، جاء الاسلام ليصقل بتعاليمه تلك الشخصية ويدعم هذا التوجه لديه. وعلى مر التاريخ كان العربي مثالاً للشرف والامانة وكلمته التي تكون اشد من حد السيف واسمه كان مرادفاً لكل خير وعدل. هكذا كانت صورة العربي وهي حقيقية وواقعية ومستمرة رغم ما ابتلى به العرب جميعا في عصرنا الراهن من فرق وشيع وأحزاب مغرضة تتعامل معه كما لو كان رمزاً للشر وتنسب اليه عن قصد وعمد كل مثالب الانسانية التي لا تخلو منها امم تلك الفرق والاحزاب شرقا وغربا فاصبح العربي رمزاً لكل خراب ودمار وعنف يشهده العالم ولو كان منه براء بل انه بالفعل منه براء، فلا دينه ولا تقاليده ولا عاداته ولا تاريخه الحضاري يسول له ان يكون على هذه الشاكلة التي يشتهيها الاعداء المغرضون وتحفظها خيالاتهم المريضة. وحكايات العرب وما ينسب اليهم من صغائر بتوجه من عقول مدبرة واموال مرصودة من جهات حاقدة تنفس عما في اعماقها من حقد وكره تجاه اصحاب اسمى الرسالات. وعلى نفس الشاكلة تأتي رسوم الكاريكاتير التي تصور العرب بشخصيات باهتة ومضحكة تبعد بهم آلاف الاجيال والسنوات عن تلك الجذور الحية لحضارة مدت فروعها واغصانها الى كل انحاء العالم باعتراف جميع الاعراق التي استفادت من جهود وخبرات علماء العرب في كل المجالات لتضع حضارتها التي اوصلتها الى مخترعات حديثة حتى الرسوم المتحركة لم تكن بمنأى عن العلوم والمعرفة التي قدمها علماء المسلمين في عصرهم الزاهي، ومع غياب المنصفين ووصولهم في غيهم الى مداه فإن الصورة تزداد قتامة وفي الوقت نفسه تزداد فيه التصاقا باذهان الاجيال في اوروبا وامريكا لتتحول مناظر السخرية ومشاهد الاستهزاء الى صورة نمطية للعربي لا يعرف هؤلاء بديلاً عنها مما يثير الدهشة والغرابة في اوساط هؤلاء، لا يهم الاستغفال عندما يرون عالماً مبرزاً أو طبيباً بارعاً، أو مخترعا عظيما، أو اديباً مبدعا، وما أكثر هؤلاء في امريكا ودول الغرب الذين اصبحوا يساهمون في رقي تلك الدول وصنع رخائها وزيادة مكانتها على خارطة العالم. وفوق هذا كله فالويل للعربي مهما كان مستواه الفكري والمعيشي اذا حلت مصيبة بأي بقعة في العالم فإنه يصبح اول من تلتصق به تهمة التدمير والتخريب وكأنه قد خلق ليتحمل كل مساويء البشرية، هذا بالطبع من منظور الفئة الحاقدة ـ كما قلنا ـ مع الاصرار على ذكر ديانة المتهم بالتخريب رغم ان المتعارف عليه ان الملّة لا دخل لها في ارتكاب اي عمل، ولكن ماذا نقول وللعنصرية وجوه عدة لا تكاد تعرف واحداً منها حتى تظهر لك العشرات بل المئات من كل ثقب. ولا يقل الامر بشاعة وقبحا فيما تنتجه السينما الغربية والامريكية، ففيها يتفنن كتاب السيناريوهات في اظهار أبشع ما لديهم واقذح ما يتخيلونه من صفات ولصقها بالانسان العربي وقد لا يكون الهدف من صناعة تلك الافلام مادياً وان كان ذلك يتحقق لهم من قفا العرب الا ان الهدف المعنوي وما يجنون من وراء ذلك يكون بالنسبة لهم اسمى، وكأنهم لا يكتفون بنشر ما يضمرونه نحو العرب في مجتمعاتهم فيستثمرون ذلك الانتشار العريض والواسع للسينما الامريكية لتعميم الصورة التي اختزنوها للعرب. هذه الصورة ذات الاهداف والجذور والاصول المعروفة، احسب ان البعض قد ساهم بقصد او بغيره في ترسيخها ونيل سخط الرأي العام هناك. فالمواطن الغربي العادي ليس بالضرورة ان يعني العرب بالنسبة له شيئاً، فهذا له حياته التي تبدأ ايام الاسبوع لديه بالعمل والعمل، ثم تأتي نهايتها فيسعد بالـ week end يلهو ويعبث وعلى هذا النمط تسير حياته، لا يغيرها سوى حدث ايا كان نوعه خاصة من ذلك الذي وقع في واشنطن ونيويورك لتبدأ السفارات تعمل وبكفاءة عالية وبعمق في كل الاتجاهات للصيد في كل المستنقعات والمياه الراكدة وتعكير الاجواء الصافية والبحث عن كبش فداء يتحمل الذبح، فلا يكون امامهم الا العرب، ومع تزايد اسمهم والزمر والدق الذي يفك اللحام تدور الاسطوانات القديمة اياها لاضفاء كل الهالات القاتمة على صورة العربي فلا يظهر منها سوى كل قبيح. هنا لن افتح الجرح واكرر ما قاله العشرات والمئات قبلي من تقاعسنا وتكاسلنا وتراخينا عن تصحيح هذه الصورة التي لم نكتشفها اليوم لكنها موجودة وتزايدت بعد ثورة الاتصالات التي حولت العالم الى حارة واحدة. ولا ادري كيف يقبل اهل النخبة من اصحاب الفكر والعلم والخبرة والابداع من ابناء العروبة المنتشرين في مشارق الارض ومغاربها بهذا التعميم الكريه والخاطيء الذي يحاول الغرب ترسيخه عنا وهو ما يجعلنا نضع الكرة الان في ملعبهم لكي يقوموا بتصحيح هذه الصورة المشوهة عنا وعنهم ايضا وبالطبع هذا دورهم ليتسنى لنا رفع كلمة (لكن) التي حملها العنوان والتي قصدنا بها: التعميم خاطيء لكن تصحيح الصورة لا يتم الا بعقولنا وسواعدنا ورغبتنا في انصاف حضارتنا وتاريخنا.