كل الجروح تندمل عدا جرح الكرامة.. هكذا قالوا قديماً، وسيدة العالم جرحت كرامتها وخدش حياؤها وهي الدولة العظمى والقوة التي لا تقهر، ولان الامر لله من قبل ومن بعد، فلا ملك دائماً ولا قوة تبقى، «قل لمن الملك اليوم، للّه الواحد القهار» صدق الله العظيم. وما حدث لامريكا مؤخراً كان فوق الوصف ولم يكن متوقعاً، لكنه حدث بمشيئة الله، فهو الواحد القهار والكبير الجبار، لا كبير قبله او بعده. واذا كانت امريكا تجرعت مرارة الهزيمة وبؤس الدمار قبل اكثر من نصف قرن في بيرل هاربر فقد كان العدو واضحاً، والانتقام حاضراً ورد الصاع صاعين لليابان كان ماثلاً امام الكل.. ولكن في حالة مثل هذه الفاعل فيها لايزال مجهولاً والشبهات تحوم حول الكثيرين ودائرة الاتهام تطوق الجميع يصبح الامر مختلفاً والعقاب مكلفاً، فالعدو هنا غير معلوم المكان ومجهول العنوان، وأمريكا لم تترك لها صديقاً او حبيباً في الخارج او حتى في الداخل، والقائمة تحفل بالكثير من مافيا المخدرات الى المناهضين للعولمة والصهيونية العالمية والمنظمات الاسلامية والجماعات الامريكية المحلية المتضررة من سياسات الولايات المتحدة، ولان التحقيقات ستطول ودوائر الاشتباه ستتسع، وقوائم الافراد والجماعات ستحمل الكثير من الاسماء، ونغمة الانتقام سوف تتصاعد، ينتظر العالم الكثير من التحولات والمتغيرات في ظل تعطل لغة الدبلوماسية والحركة المتسارعة للقوة العسكرية، وستكون الايام المقبلة حبلى بالعديد من المفاجآت ستجعل قوة رد الفعل الامريكي اكبر بكثير من الفعل نفسه، لان القضية الاولى الآن استرداد الكرامة التي استبيحت ومن ثم الانتقام للدماء التي اهدرت، والمباني التي دمرت والاموال التي تبددت. وعندما يخفت صوت العقل، وتتعالى اصوات طبول الحرب يجب ان نتوقع كل شيء وننتظر ما لم يكن في الحسبان! وبعيداً عن الذي حدث لامريكا في يومها الدامي، أعود لاوضاعنا المحلية، ومشاكلنا الداخلية، فقد تلقيت قبل ايام اتصالاً هاتفياً من سيدة جليلة تحكي لي مأساة زوجها الذي يعمل في احدى الشركات الخاصة ومنذ سنوات عديدة، ووصفته بأنه كان مخلصاً في عمله يمنحه الساعات الطوال من يومه، الى ان حاصره مرض السكري فأصابه بالهزال وتحولت ايامه الى جحيم حقيقي وتم حجزه بالمستشفى ودفعنا الكثير من الاموال لعلاجه لكنه لم ينل الشفاء بل ساءت حالته عندما نخر الالم احدى قدميه مما استدعى جراحة عاجلة كانت نتيجتها بتر احدى اصابعه، وبعد مغادرته المستشفى وعودته الى المنزل كانت المفاجأة في انتظاره، خطاب من الشركة يحمل في طياته قرار انهاء خدماته رغم علمها بمرضه ورغم تنصلها عن علاجه، لقد كانت مفاجأة مؤلمة زادت من آلامه وضاعفت من مأساتنا، فأطفالنا في المدارس والعلاج يحتاج للمال والمتوفر منه بالكاد يفي باحتياجاتنا، ماذا نفعل؟ قلت لها ما المسئول بأدرى من السائل! ولكن السؤال يفرض نفسه.. لماذا تتحكم الشركات الخاصة في مصائر الناس كما يحلو لها؟ ولماذا الانسان في دائرة عملها كترس في آلة متى تعطل وجب رميه واستبداله بآخر؟ وحقوق العاملين في تلك الشركات من يصونها؟ وما هي آلية التعاقد مع العاملين؟ وما هو دور وزارة العمل والشئون الاجتماعية في مثل هذه الحالات؟ ان العديد من الشركات الخاصة والصغيرة منها على وجه التحديد وفي مجالات مختلفة استمرأت هضم حقوق العاملين لديها في ظل غياب الرقابة عليها، وفي ظل غياب الضمير لدى مسئوليها، وفي ظل حاجة الناس للعمل. ان ما يحدث في بعض تلك الشركات يشكل علامة استفهام كبيرة ويطرح سؤالاً مهماً، الى متى يحدث هذا؟ ومن المسئول عنه؟ وكيف يمكن علاجه؟! آخر نقطة وما تنفـع الخيـل الكـرام ولا القنـا اذا لم يكـن فـوق الكـرام كـرام Emial-Abuswar@albayan.co.ae