يؤلمني موت الأبرياء، ولكن الحادي عشر من سبتمبر، يوم سقوط عدد كبير من الأبرياء أعاد إليّ صورة كل الابرياء الذين شيعنا جنازاتهم وضمدنا جراحهم، ولم نستطع ان نعوض عليهم شيئاً مما فقدوه مادياً ومعنوياً في بيروت والجنوب اللبناني، ابان الاجتياح الإسرائيلي المدعم امريكيا «1982» ايام صبرا وشاتيلا وما تلاه من عدوان استمر حتى انتصار المقاومة في الجنوب، وايام وجود القوة العسكرية الامريكية المارينز في بيروت ممثلة حماية وشراكة استراتيجية وتحالفاً مع العنصرية الصهيونية والاحتلال في بيروت... وتهدد دمشق من هناك وتشن على قواتها غارات بالطيران الامريكي. واعاد إلى ذاكرتي الجنازات اليومية في فلسطين المحتلة منذ عام 1987 حتى اليوم على الاقل... حيث يذبح أطفالنا وتهدم منازلنا وتدمر البنى التحتية لكل ما يحتاج اليه شعبنا هناك ويتم اجتياح قراه ومدنه في أي وقت يقرره الكيان الصهيوني فتبارك الولايات المتحدة الامريكية الجلاد، وتتهم الضحية بالإرهاب وتطلب إلى الواقعين تحت الاحتلال ان ينسوا ارضهم وكرامتهم وان ينصاعوا لقوة الكيان الصهيوني ومطالب دموية المتوحشين، واعاد إلى ذاكرتي التدمير والجنازات والمعاناة الرهيبة التي عانى ومازال يعاني منها شعبنا في العراق جراء العدوان الرهيب والتدمير والحصار المستمر... واعاد إلي صورة طرابلس يوم العدوان الامريكي البريطاني عليها ومحاولة تدمير بيت قائدها على رأسه وهو نائم حيث قتلت طفلته تحت انقاض ذلك البيت الذي مازال شاهداً على الجريمة وتدافع الناس للخروج من طرابلس المستهدفة حيث اكتظت بهم الشوارع وضاقت المخارج فقضى منهم من قضى وجرح من جرح، واصيب بأنواع الرعب والصدمات من اصيب. وعلى ضوء حرائق شعبي ووطني التي كانت وراءها الصهيونية والإدارات الامريكية، والاستعمار الغربي استعدت ما كان من بطش بشعوب في حرب كوريا وحرب فيتنام، والبطش هنا والبطش هناك... وتربص الاساطيل الامريكية في البحار وقرب سواحل بلدان منها بلدان شرقنا العربي... فطفا على سطح نفسي كم هائل من المرارة والغثيان والاشمئزاز من دولة لم تسجل خلال نصف قرن مضى إلا تاريخاً أسود في الظلم ومناصرة العدوان، والظلم والعنصرية، سواء الصهيونية النازية أم عنصرية العزل «الابارتيد» في جنوب افريقيا... واقامت «حضارتها» على نهب الشعوب وفرض استبداد باسم مقاومة الاستبداد. لقد عطلت الإدارة الامريكية المحكومة بالقرار الصهيوني والمؤيدة باستمرار للعدوان والاحتلال والممارسات العنصرية «الإسرائيلية» عطلت مشاعري، ولوثت الإدارة الامريكية انسانيتي، فأخذت اقول وانا اشاهد الحرائق في مبنى مركز التجارة الأمريكية والبنتاجون عليهم ان يعيدوا قراءة الأحداث بمسئولية انسانية واخلاقية لا بروح القوة الاستعمارية المتغطرسة المحكومة بعنصرية صهيونية تصنع القرار في الدوائر الأمريكية لصنع القرار. وعندما انهار البرجان التوأمان... برجا مبنى التجارة العالمية في نيويورك، احسست في اعماقي كأنما انتشل من قبر... وبعد دقائق عدت لأفكر بالإنسان تحت الردم وبالمرتاعين في الشوارع... واخذت اقول: ما ذنب الابرياء.. واتفجع على انسانيتي التي لوثتها امريكا الصهيونية والصهيونية العالمية بجرائمهما ضد شعبي... بعد لحظات من استبطان الذات أيقظني الإعلام على حقائق لا اظن انها يمكن ان تتغير بسرعة. اتهام العرب والمسلمين والتهديد بمعاقبتهم قبل ان يتبين الأمر لأولي الأمر.. ويغيب عن التفكير والتذكير كل احتمال بقيام عناصر امريكية بهذا النوع من العمل قياساً على ما كان سابقاً ولما في ذلك المجتمع من اجرام وتناقضات وتطرف.. ـ وانا ارجح ذلك ـ خنقني الغيظ من الحاح أصوات اعلامية على التأكيد بأن العرب والمسلمين وراء الحادث الرهيب.. وبدأت ألسنة في الاعلام العربي تقطع باتهام العرب والمسلمين قبل ان يأخذ المسئولون الأمريكيون انفاسهم سمعت ذلك في «الجزيرة».. فأعادني إلى الحصار المفروض على عقل عربي ينطق بما ينطق به الإرهابي الصهيوني العنصري شارون، ويردد ما يقوله المجرم بن اليعازر.. فأعادني ذلك كله إلى ظلمة القبر الروحية التي يغمرني فيها العدوان والافتراء والغطرسة والعنصرية وتشويه الحقائق.. وبدأ الدفع الداخلي، الذي ينقذني من الغرق تحت كل ردم معنوي بدأ يعيدني إلى تنفس فوق سطح القبر: سنعود... ونعيش... وننتصر ونحقق عدلاً للعالم... لأننا نملك الكثير من اجل الوجود والحق والعدل وانسانية العالم... لقد كانت الساعة المذهلة في التوقيت والاداء والمعاني الرمزية والدلالات والمعاناة.. الساعة من «16 ـ 17» بتوقيت دمشق، من يوم الثلاثاء «11/سبتمبر/ 2001». كافية جداً لتحديد مرحلة مفصلية في الزمن والتاريخ وربما المراجعة العميقة لسياسة ذات تاريخ، من وجهة نظري. وفي الوقت الذي اؤكد فيه ان الشعب الامريكي لابد من ان يصحو مما تغرقه فيه إدارته من اكاذيب وكراهية للاخرين تنعكس كراهية الاخرين له وتنميها جراء سياسة عدوانية تؤيد العنصرية وتفرض ارادتها على الاخرين وتقوم باستلابهم وادخالهم بيت الطاعة الأمريكي، وتخرب قيمهم وحضارتهم وعقائدهم لتنشر على حساب ذلك سلوكاً وقيماً ومفاهيم «وحضارة» أمريكية لا تملك رؤية انسانية منقذة ولا تجربة بشرية عميقة... ولا تنمي مسئولية اخلاقية إلا من منظور قهرها للآخرين ونهبها لثرواتهم واخضاعهم لارادتها، وهو ما تراه حقها ومعنى الإنساني والديمقراطي لديها. لابد من ان يصحو الشعب الأمريكي على صورته التي ترسمها له سياسته في العالم... وهي سياسة غير نظيفة وغير مشرفة في معيار الخلق القويم والتشريع الصحيح والتعاون الإنساني الخلاق ولابد ان يكون لهذه الساعة من زمن يوم الحادي عشر من سبتمبر مردود على صانعي القرار الامريكي يؤدي إلي مراجعة لأفكار ورؤى وسياسات واستراتيجيات وقد يصل العقل الأمريكي المحجوب عن الإنسانية الحقة بالقوة العسكرية والاقتصادية المنتشية، والتقدم التقني العملاق... قد يصل إلى حقيقة ان سحق العالم وشعوبه أمر غير ممكن على الاطلاق، وان اخضاعه واخضاع شعوبه أمر ان تحقق لزمن فسوف ينهار على مدى الزمن كما انهار رمز العظمة الأمريكية في نيويورك في ساعة واحدة فقط من الزمن. ان الشعب الأمريكي الذي شعر بالروع في معظم مدنه لاسيما في «واشنطن ونيويورك». وعرف قبل ايام شيئاً عن عزلة الولايات المتحدة الامريكية في «دوربان» بانسحابها من المؤتمر الذي عقد ليكافح العنصرية ويعيد بعض الكرامة والحقوق المادية والمعنوية للشعوب، وللذين عانوا من العنصرية والنازية والعبودية والاضطهاد... لابد من ان يصحو ويطرح اسئلة على الرغم من عودة الإدارة الأمريكية بعد هزيمتها وعزلتها في دائرة شعوب العالم لتصنع نصراً على رسميي العالم، ستدفع ثمنه الشعوب لمصلحة العنصرية الصهيونية والذين مارسوا العبودية والرق والتمييز العنصري من الأوروبيين والامريكيين عبر قرون.. لأن الإدارة الأمريكية والحركة الصهيونية حققتا ذلك بالضغط والتهديد والوعيد.. ونجحتا في قهر بعض رسميي العالم أو تحريكهم بالاتجاه الذي تريدان، وانهما لن تقهرا الشعوب إلى الأبد. لقد افلحت الإدارة الامريكية في ان تجعل أوروبا تكشف عن تحالفها الاستعماري العميق مع العنصرية الصهيونية والطغيان الامريكي في العالم، وتعلن تنكرها لضحايا العبودية والعنصرية... على الرغم مما تملكه من رصيد حضاري... وان ذلك يعيد إلينا اشراق العبارة القائلة: الغرب غرب والشرق شرق.. ولن يلتقيا حتى على إدانة العنصرية والعبودية والرق والظلم حتى حين يجتمعان تحت شعارهما ومن اجل تحقيق شيء عظيم في مجالهما. لقد حققت الإدارة الأمريكية والحركة الصهيونية انتصاراً في البيان الرسمي الذي صدر في دوربان... ولكنهما لن تستطيعا مع أوروبا ان تغلقا هذا الباب الذي لابد من ان يدخل منه تيار هواء بارد إلى اجتماع الجمعية العمومية، للأمم المتحدة في نيويورك الذي سيعقد بعد تأجيله. ان الشعب الأمريكي لابد من ان يستيقظ على حقيقة ان التزام الولايات المتحدة الأمريكية بتأييد العنصرية الصهيونية وممارساتها النازية وتشجيعها على قتل العرب وتهويد مقدسات المسلمين والمسيحيين ومتابعة الابادة الجماعية للفلسطينيين يجعل كل الشعب العربي من أطفاله إلى شيوخه ونسائه أكثر استعداداً لمقاومة إعلان قادة الصهاينة الذين قالوا بعد الكارثة الأمريكية: «ان الوقت ملائم لاخضاع الفلسطينيين وتصفية «الإرهاب» فلن يعارضنا احد وسوف يتعاظم تأييد الأمريكيين لنا». ويزدادون ثقة بالذات وقدرة على التصدي للصهاينة من أعضاء ما يسمى الكنيست الإسرائيلي الذين أعلنوا: ان الوقت ملائم الآن لاستعادة الأراضي التي اعطيت للسلطة الفلسطينية... فالعالم الغربي سيفهمنا وسيؤيدنا في ذلك!.. لأن ذلك كشف تماماً الروح العدوانية والعنصرية التي لابد من ان تقاوم وتكسر شوكتها بأي ثمن... ان اختراق البنتاجون وتدمير واجهة من واجهاته بطول ستين متراً من مقاطع بنائه وقتل ما يصل إلى الف شخص فيه.. يحمل اشارة اكبر بكثير من بقاء البنتاجون واستئنافه العدوان على الشعوب. انه يحمل معنى ان ارادة شخص ما يقرر الموت دفاعاً عن كرامته وحقوقه وشعبه وحضارته وعقيدته. قادرة على تحقيق هدفها ضد قوة عظمى وفي عقر دارها مهما كانت حصانتها وتحصيناتها فكيف اذا استيقظت شعوب وملكت ذلك النوع من الارادة والاستعداد، وقررت ان تقاوم الطغيان والطغاة والعنصريين النافخين في كير الحقد والاستعلاء والاستعمار والوالغين في دم العالم والممعنين في نهبه. وحماتهم وكل المستهترين بالشعوب وعقائدهم وثقافتهم ومصالحها ما الذي يحدث عند ذلك... وكيف نوقف غرق العالم بطوفان الدم وأنواع الحقد واشكال الدمار؟!... ان السياسة التي تتبعها الإدارات الأمريكية في كثير من بلدان العالم النامي، ولاسيما في وطننا العربي وحيال قضية فلسطين والصراع العربي ـ الصهيوني والممارسات العنصرية ـ النازية للاحتلال الإسرائيلي ضد شعب فلسطين، سياسة حمقاء غير اخلاقية ومنحازة، وقذرة إلى ابعد الحدود، وهي تصب في نفوس الكثيرين الكراهية والحقد على قوة عظمى عمياء تسخر قواها لخدمة احتلال عنصري بغيض، رصيده عبر التاريخ عار ودم وفضائح ودمار وتآمر على الآخرين. وايدي قادته اليوم ملطخة بدم الابرياء الذين تسفحه عنصرية تواطأت مع النازية... وهو يشوه التاريخ والعقائد والوقائع... ويحتقر الامم «الغوييم».. والرسل... ويعذبهم على الصلبان، ويرى إلى بقية البشر على انهم حيوانات جعلهم الرب يظهرون بمظهر البشر ليكونوا لائقين بخدمة اليهود فقط... لقد انهار في الولايات المتحدة شيء... وأظن ان في ذلك بداية خطوات تراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قوة وحيدة الطرف تحكم العالم بشكل ما، وتتحكم باقتصاده وسياسته ومجلس الأمن فيه، وتسخر كل القوانين الدولية والقيم الإنسانية لخدمة مصالحها المادية واستراتيجياتها المعادية للشعوب. وبحدوث ذلك التراجع يبدأ بناء اساس جديد لانتصار ارادة الشعوب المستضعفة، والقوى المغلوبة على أمرها.. وارتفاع صوت الأمم المقهورة يقول: الظلم لا يدوم... وكل جبار إلى زوال... الشعوب لن تعجز عن امتلاك ما تملكه الولايات المتحدة عندما يوقظها الظلم الأمريكي من سباتها ويجعلها تنتشر على دروب الكرة الارضية كلها لتواجه الاستعمار الغربي وقيادته الأمريكية وموجهته الصهيونية العنصرية التي تقوده إلى الخراب وإلى تخريب العالم لتنتصر هي من بعد على حد ما ترسم من أساطير، وما تعيش فيه من احافير التاريخ والتفكير والتدبير العنصري، الذي يمثله وينفذه، رموزها من بخشي دورون التلمودي إلى شارون العسكري، الوحش وأسلافهم. انني على الرغم من الرفض التام للسياسة الأمريكية في منطقتنا العربية وفي مناطق من العالم، والإدانة المطلقة لمناصرة الولايات المتحدة الأمريكية للعنصرية الصهيونية واحتلالها وممارساتها النازية ضد شعبنا في فلسطين.. وعلى الرغم من كل السوء والشر اللذين تنطوي عليهما تلك السياسة.. لا استطيع ان اخفي تعاطفي مع الابرياء من الأمريكيين الذين ذهبوا ضحايا سياسة حكومتهم أولاً، وضحايا العملية... الكارثة ثانيا. ان ازهاق الأرواح.. والوقوف على مشارف الموت وفي مساحات حقوله.. لا يجعل الإنسان شامتاً أو حاقداً. ان انسانيتي التي حاولت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية تعطيلها وتلويثها تنتصر على الكره والحقد.. وتقف مع الإنسان... ولكنها مع من يقع ضحية العدوان وليست مع المقتول بعدوان على الآخرين.. مع البريء الضحية وليس مع من يجعل الأبرياء ضحايا بصب حقده وحمقه ونزوعه العدواني على العالم.. الرحمة لكل الذين قضوا والرحمة من قبل على أرواح من قضوا جراء العدوان الأمريكي الصهيوني على ابناء امتنا العربية وعلى الاخرين، واللعنة على الساسة الذين يقودون العالم إلى الموت، والابرياء إلى القبور، والأمم إلى تعاسة عيش وأفق مسدود. وسوف تبقى سماحة الإسلام تقودنا وتنتشلنا من المهاوي التي يدفعنا إليها، ويريد ان يغرقنا فيها، العنصريون الصهاينة والاستعماريون الطغاة وتجار الدم والسلاح في العالم. ـ رئيس اتحاد الكتاب العرب