الظلم الواقع على المرأة ليس شائعة.. أو خرافة.. أو حجابا.. أو منشورا سريا.. أنه ظلم مرئي ومسموع ومعروض على شاشة الحياة اليومية.. فلا يزال الرجل يتباهي كالديك الرومي بريشه المنفوش.. ومشيته المغرورة.. وصوته العريض.. مع انه في الواقع ليس أفضل حالا من دجاجاته. وقد كانت مشكلة المرأة دائما انها كانت تريد أن تكسب الحرب دون أن تفكر في القتال.. أن تخرج منتصرة على أكتاف رجال قدموا لها المساواة على طبق من فضة.. لقد ظلت دائما بعيدة عن البحر خوفا على ثيابها ومكياجها من الموج.. وهو ماكثف اعتقاد الرجال بأن أي مظاهرة للحريم يمكن أن تفض بطلب زواج أو أغنية (أهواك). إن ارتداء الثياب الضيقة ليس تحررا.. وقيادة السيارات المسرعة ليس تحررا.. وتدخين السجائر في الطريق العام ليس تحررا.. إن الذين يطبقون الحرية لا يتكلمون عنها.. والذين يطبقونها يمضون في الطريق صامتين. في صمت وهدوء حققت صحفية شابة في مجلة (نصف الدنيا) انتصارا لم يضف الى رصيد الصحافة فقط وانما أضيف الى رصيد حرية المرأة أيضا.. أثبتت دون صخب أنها يمكن أن تركب الصعب وتقتحم المجهول وتتجاوز مايتردد امامه الرجال.. سافرت الى (افغانستان) حيث يستقبلون النساء بوليمة ساخنة لا تخلو من القتل والاختطاف وربما الاغتصاب.. وحين تفوح رائحة الموت والخراب والأنقاض والغبار وتسخن الدماء الى درجة الفوران.. حيث كل شئ حرام وعار.. وفي هذه المغامرة الفريدة من نوعها في الصحافة المصرية كان معها مصور جرئ الى حد التهور هو (محمد مسعد). الصحفية الشابة هي (أمل سرور) وهي تبدو بملامحها البريئة وكأنها (تلميذة) في مدرسة ثانوية هربت بمريلتها الزرقاء من المدرسة الى بلاط صاحبة الجلالة.. ولا تصدق عندما تراها أنها يمكن أن تحمل في عقلها كل هذه القدرة على المغامرة.. كل ماتتصوره أنها تفضل أفلام (الكرتون) وأكياس (الفيشار) وطبق (الكورن فليكس). لقد ظلت (أمل) نحو ثلاث سنوات وهي تحاول الحصول على تأشيرة دخول (افغانستان) بلاد الدبابات والمخدرات.. الحصول على ماء الخلود أيسر.. تحويل الحديد الى ذهب أبسط.. فهذه بلاد تكره النساء.. تعتبر المرأة شيطانا يمشى على قدمين.. تعتبرها فضيحة يجب تجنبها واخفائها.. فكيف يمكن أن تقبل أن تأتي (أمل) اليها وتتجول في شوارعها وتحاور قادتها وتكتب عنها وتتنشف عليها؟.. هذه نهاية الدنيا.. وعلامة من علامات الساعة.. وأول اشارة الى القيامة. في السفارة الباكستانية بالقاهرة كانت ملامح المستشار الاعلامي (شفق هاشمي) كفيلة بأن تقدم (أمل) استقالتها من الصحافة وتعود الى بيتها ولا تخرج منه الا يوم أن تتزوج.. وعندما تكلم الرجل لم يكن في كلامه كلمة أهم من كلمة (هرام) أو (حرام).. (هرام) أن تجلس فتاة مع رجال (طالبان) الذين يسيطرون على السلطة هناك منذ عام 1995. في السفارة الأفغانية قال السفير (فضل الله) إن السفر الى كوكب المريخ (أهون).. فرجال طالبان لا يتفاهمون الا بالرصاص.. ولا مانع عندهم من قتلك أو اغتصابك.. مهمتك ستكون فاشلة.. ولم يكن غريبا أن يقول السفير الأفغاني ذلك.. فهو يمثل السلطة القديمة في بلاده.. أما السلطة الحالية فمعظم دول العالم ـ ومنها مصر ـ لم تعترف بها. وفكرت (أمل) في أن تدخل (أفغانستان) متسللة عبر مدينة (بندي) القريبة من الحدود الباكستانية على أن تتخفى في ثياب (الشادوري) وتدخل (كابول) بجواز سفر مزور تشتريه بمائة دولار.. ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة.. وسافرت الى باكستان (هي ومحمد مسعد) ليجربا حظهما في الحصول على تأشيرة الدخول من السفارة الافغانية في (اسلام اباد). وبمجرد أن هبطا أرض مطارها حتى غيرا ثيابهما وارتديا الثياب الباكستانية.. وغطت رأسها بإيشارب أخفت به شعرها.. وعندما راحت الى السفارة نسيت صوتها.. وبعد أسبوعين من المراقبة والانتظار وتدخل أشخاص مجهولين وضعوا في طريقهما جاءت الموافقة.. بشرط أن لا ترتدي (أمل) الزي الأفغاني.. فهو (هرام) على الأجنبيات حتى لو كن مسلمات.. وفي هذه اللحظة راحت (أمل) تبكي.. لم تكن تعرف السبب.. هل هو سعادة أم خوف؟.. هل هو شعور بالانتصار أم الخوف من الانكسار؟ استغرقت الرحلة من مدينة (جلال أباد) الباكستانية الى (كابول) بالسيارة نحو عشر ساعات من العذاب في سيارة تهدد بالتوقف وطريق غير ممهدد لا يصلح الا للدواب.. (ببساطة كنا نسير على زلط) وتراب وجير وأحجار مدمرة.. كنا نشعر بلا مبالغة أن السيارة تطلع الى (فوووق) وتنزل الى تحت.. وعندما كنا نسأل السائق الذي لا يعرف سوى بضع كلمات قليلة من اللغة الانجليزية يقول (بيج بومب..) يقصد مكان قنبلة كبيرة. استقبلتهما (كابول) بوابل من المتسولين يشيرون بأيديهم الى أفواههم وبطونهم من شدة الجوع.. وماكادت الشمس تهرب مما تراه حتى بدأ حظر التجول.. فرجال (شاه مسعود) الذي خسر الحرب الأهلية منتشرون سرا ويفجرون القنابل ويشعلون الديناميت.. فحجم الضحايا الذين سقطوا لا يرضيهم.. ومساحة القلق على الحياة لا تنتهي.. وأنفاس المخبرين الساخنة تلهب ظهور الأهالي والغرباء.. وتدفع الجميع الى قضاء الليل الطويل في صحبة الملل.. ويضاعف من الملل أن التليفزيون (هرام).. والحر لا يطاق.. والكهرباء تنقطع كثيرا.. وتضحك (أمل) في سرها عندما تتصور أنها يمكن أن تموت من الحر.. فهي بالفعل ميتة مضحكة.. خاصة في بلد يحمل كل دقيقة مليون سبب قوي ومبتكر للموت. وكابول ليست مدينة للأشباح ليلا فقط وانما نهارا ايضا.. ان الشرطة الدينية المعروف بجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قادرة على أن تقبض على أي شخص وتسجنه وتعاقبه وتجلده دون أن تملك تفسيرا.. فهي القانون.. والقانون هي.. وهي تدور بالميكرفونات تلقى على الناس بآخر التعليمات الواجب تنفيذها.. ولو تكاسل أحد في الاستجابة اليها يمكن أن يدفع حياته ثمنا لذلك. ولا يتمنى أحد في هذه البلاد التي عادت الى زمن ماقبل (ألف ليلة وليلة) أن ينجب بنتا فهي العار بعينه.. ولولا بعض الحياء لدفن الناس البنات أحياء على طريقة الجاهلية.. فليس للمرأة الحق في العمل.. وليس لها الحق في العلاج.. أو التعليم.. أو المشى بمفردها في الشوارع.. وهناك بعض المدارس مفتوحة سرا لتعليم البنات قامت بها بعثات الاغاثة الدولية التي انتهى بها الحال للطرد والسجن بدعوى انها بعثات تبشيرية.. وهو ماجعل العالم كله يكف عن مساعدته الانسانية.. فليذهب هؤلاء الناس الى الجحيم. على أن ذلك لم يمنع أن وجود صحفية مصرية فرصة لحركة (طالبان) المعزولة عن العالم والتي لم يعترف بها سوى ثلاث دول اسلامية أن تعبر عن نفسها.. وقد تكلم وزير خارجيتها والرجل الثاني فيها (وكيل أحمد متوكل).. وهو يوصف بالاعتدال.. فقد سمح بمقابلة تجريها (صحفية) وسمح بالتصوير.. وهو مايعني أن الحلال والحرام هو نوع من الاجتهاد الشخصي في بعض الأحيان.. وعندما كان الرجل يحاصر بسؤال صعب كان يرد على طريقة فقهاء القرى والنجوع قائلا: (كل شئ على الله يسير) و(العالم الذي نعيش فيه هو عالم الأسباب والمسببات).. أو كان يهرب من السؤال على طريقة مثقفي المقاهي قائلا: (إن هذا السؤال لا يمكن التسرع في الاجابة عليه فهو يحتاج الى دراسة كاملة).. وهو يرجع التشدد الى الفقر.. فهم قد أغلقوا مدارس البنات ومنعوا التليفزيون لأنهم فقراء لا يملكون الموارد المالية.. ولو كان هذا التبرير صحيحا فلماذا لا يغلقون مدارس الأولاد؟.. ولماذا ينفرد الذين يحكموا بالفرجة وحدهم على التليفزيون والأقمار الصناعية؟ ورغم الفقر والدمار فإن شعار حركة (طالبان) يضم ـ الى جانب المصحف والسيف ـ ترسا يرمز للصناعة وسنبلة قمح ترمز للزراعة وشعاع شمس يرمز للخير والنماء.. ولا يحتاج هذا الشعار ـ في بلد يعيش ربع سكانه لاجئا ويعاني الباقون من سوء التغذية وينامون في العراء ـ الى تعليق.. فليس على أي شعار حرج. ويصف وزير الاعلام التلفزيون بأنه (جهاز لعين) وانه (رجس من عمل الشيطان) وعندما تأتي سيرته يستعيذ بالله قائلا: (كيف نجعل هذا الجهاز يدخل منازلنا ونحن نطبق الشريعة الاسلامية).. عندما يواجه بسؤال عن صحف المعارضة يرد بلا ترد.. (لا توجد لدينا معارضة.. بحمدالله وفضله الجميع راض ومطيع لحركة طالبان وأوامرها وشروطها.. أما المعارضة فهي كافرة.. وملحدة.. وقد طردناهم شر طردة من البلاد وهم نازحون الآن في الشمال بقيادة أحمد شاه مسعود). يبدو أن مافعلته حركة طالبان في أفغانستان قد فتح شهية الغرب لمزيد من الخيال.. وهو ماجعل مجلة (نيوزيويك) الأمريكية تضيف لقوائم الممنوعات.. حلاقة الشعر رغم أن شوارع كابول تتفجر بحلاقي الأرصفة.. وأيضا استيراد أحذية الكعب العالي النسائي.. رغم أن المرأة هناك تضعه في قديمها بشرط أن لا يظهر من تحت ثيابها الفضفاضة.. وكذلك مهنة التصوير وبيع الأفلام رغم وجود محلات للتصوير وبيع الكاميرات.. ورغم أن التصوير مسموح به في حفلات الزفاف والغناء ايضا.. ولكنه غناء اسلامي.. تواشيح مثلا. وتفخر (طالبان) بأنها فجرت بالديناميت تماثيل (بوذا) المنحوتة في الصخر في مدينة (باميان) التي تبعد عن (كابول) يومين بالسيارة.. وهم يقولون: (انهم سعداء بمافعلوا وفخورون به ولا يهمهم العالم) الذي لا يملك الا أن يخبط رأسه في بقايا هذه التماثيل.. ولأن الطريق كان محفورا بمخاطر جماعة ( احمد شاه مسعود) فإنه لا حل أمام (أمل سرور) و(محمد مسعد) سوى أن تستأجر طائرة تتكلف 2500 دولار.. وهو مبلغ يصعب تدبيره فجأة.. كما أن تكلفة الرحلة من أولها الى آخرها لا تطاق.. فإيجار الفندق المتواضع أغلى في (كابول) من ايجار فندق (والدروف ستوريا) الذي ينزل فيها الملوك والرؤساء في (نيويورك).. والسيارة الحكومية التي كانت تحت تصرفهما لم تكن مجانية وانما كانت مقابل (40) دولار يوميا بخلاف أجرة المرافق الذي كان في الواقع عينا عليهما وعلى تحركاتهما.. وكأنهما دفع تكاليف مراقبتهما لوزارة الداخلية الافغانية. وتشاركا في تكلفة الطائرة مع صحفي ياباني جاء ليرى ما الذي فعلوه بتماثيل بوذا.. وراحت (أمل) تتأمل وجهه وتساءلت : (ترى كيف يكون حاله عندما تقع عيناه على رأس تمثال (بوذا) ملقى على الأرض أو ذراعه وقد أصبح أشلاء؟.. ترى ماحالته الآن وهو جالس وسط الأيدي التي صدمت تمثاله الروحي؟.. كيف ينظرون اليه؟.. وكيف سيتعامل معهم؟ كادت الطائرة أن تسقط أربع مرات.. فهي بمحرك واحد.. وصوتها يزأر بصخب هادر وكأنها تطلب بصوت مرتفع الاحالة الى التقاعد.. أما قائدها فهو مغامر.. لا فرق عنده بين أن يموت من القهر أو ينتحر في الجو.. لكنه كان كريما فقد قدم لركابه بعض مايحتفظ به لنفسه من طعام وعصائر. ويمكن أن أتخيل هذا النوع من الطائرات فقد ركبته من (الخرطوم) الى (المقلد) منطقة البترول في غرب السودان أنا والفنان الصحفي (هبة عنايت) كما أني أتخيل التوتر الذي يرافق هذا النوع من المهام الصحفية.. فقد تسللت ذات يوم مع جبهة تحرير الصومال الى المناطق التي كانت تحتلها أثيوبيا.. أن الصحفي يشعر بنوع مثير من التوتر في هذه المغامرات.. وهو لا ينساها.. فهي رصيده الحقيقي في مواجهة المجهول. ليست (باميان) أكثر من قرية صحراوية متخلفة.. لولا ماجرى فيها ماكانت الدنيا قد سمعت عنها.. وفي المناطق التي وقعت فيها مذابح تماثيل (بوذا) كانت هناك مجموعة من رجال طالبان تهتف أمام الكاميرات (جاء الحق وزهق الباطل).. وفي تلك اللحظة سألت (أمل) الصحفي الياباني عن شعوره فرد عليها بسؤال: (ماذا سيكون شعورك عندما يهدم المسجد الأقصى أو تهدم الكعبة؟)،.. ولم تكن هناك حاجة الى الاجابة. وانتهت الرحلة المثيرة بمولد صحفية جريئة أسمها (أمل سرور) تستحق اللقب الذي تحمله ومصور مغامر أسمه (محمد مسعد) كان يمكن أن نقرأ نعيهما ولا نقرأ تحقيقاتهما. ـ كاتب مصري