كلما قرأت أو رأيت بأم عيني ذاك التطور المثير في وسائل الاتصالات وما تحمله من تكنولوجيا متسارعة ومتواصلة، تذكرت حكاية ذاك القروي المسكين الذي اذهلته المدينة بشوارعها ولافتاتها الكهربائية وسياراتها وقطاراتها، والحكاية ان القروي الساذج ذهب في زيارة لابن عمه في المدينة وهي الزيارة الاولى له خارج نطاق قريته، وبعد ان مكث اسبوعاً كاملاً قرر ان يخرج من زوايا البيت وان يرافق ابن عمه لكي يتعرف على مفاصل المدينة وتفاصيل الحياة فيها، وبينما هما يجولان في المدينة استأذن ابن العم لكي يقوم بسحب بعض الجنيهات من آلة الصرف الرابضة في زاوية من زوايا احد البنوك وسط دهشة القروي الذي لم يسأل ابن عمه عما قام به كي لا يتهمه بالجهل، فهذه الآلة الصماء العجيبة تسقط من فمها نقودا.. هكذا دون تعب وبلمسات حانية فقط. في اليوم التالي ورغم توصية ابن العم للقروي بعدم مغادرة المنزل حتى لا يتيه وسط مدينة لا يعرفها جيداً، خالف ابن العم التوصية وغادر المنزل، وبينما هو ضائع في تفاصيل الوجوه والمباني والاشكال استوقفته تلك الآلة الصماء التي تقذف من فمها نقوداً .. ووقف صاحبنا كثيرا امام تلك الآلة منبهراً، وبينما هو كذلك جاء شخص آخر فألقم الآلة ببطاقة صغيرة وما هي إلا لحظات حتى بدأت تقذف من بطنها نقودا، وسط دهشة صاحبنا الذي استغرب هذا الأمر، بل واستهجنه، فتحرك من فوره الى صاحب النقود طالباً منه ارجاعها الى مكانها، وإلا سيصرخ طالباً نجدة الناس، لأن ما قام به يعتبر سرقة في وضح النهار، وتنتهي الحكاية بتدخل الشرطة وسط اصرار صاحبنا ان هذا الرجل حرامي قام بالسطو على خزينة ابن عمه المسكين! عموماً مثل هذه الحكاية وغيرها من الحكايات التي تروى تبدو من حكايات الماضي بعد ان تسارع التطور التكنولوجي وأحدث نقلة حقيقية في تفاصيل الحياة اليومية، وفي اعتقادي ان مناسبة كعيد الأم الذي احتفل به العالم خلال القرن الماضي وبالتحديد في 21 مارس من كل عام وسط فرح ودموع وذكريات وصور قديمة وهدايا واهازيج واغنيات وباقات ورود ستصبح من ذكريات الماضي ايضا، خاصة امام تلك الرفاهية المثيرة التي تعيشها امهات الجيل الحالي، بعيداً عن الذكريات المعطّرة بالكفاح والتعب الذي عاشته امهاتنا.. ذاك التعب الذي امتزج بعرق الآباء وهم يصارعون الجوع والمرض والفاقة والمجهول.. فالفارق يبدو كبيراً وواضحاً امامنا جميعاً بين الأم صاحبة التجربة الحقيقية التي تكبدت مشاق الزمن والحياة الصعبة المهلكة وبين الأم اليوم التي تعيش وسط جيش من الخدم والرفاهية وحصص الكسل اليومي.. وحتى لا ادخل في مقارنة ليست عادلة اطلاقاً اقف هنا لأبدأ من أول السطر. أبدأ فأتساءل عن الفرق بين الأم المترفة اليوم وأمهات الأمس اللائي عشن زمناً مختلفاً في كل شيء؟ وأعود من جديد في زمن اللمسة السحرية لأخبركم عما تخبئه مغارة علي بابا من أسرار لربّات البيوت، فقد حان الأوان كلياً لاختصار طقم العمالة الموجود في المنزل واستبداله بعقل الكتروني ساحر يعرف كل شيء عنك.. يعرف ما تحب من أكل وشرب.. فالمارد الالكتروني يقول لك بكل ترحاب «شبيك لبيك» وكأن ذاك الحلم القديم وتلك الروايات التي طالما حلمت بها وانت صغير تتحقق اليوم من حيث لا تحتسب.. فما هي الحكاية؟ الحكاية ببساطة ان المعرض الدولي للأدوات المنزلية الذي أقيم مؤخرا في شيكاغو يبسّط لك الحلم القديم ويحققه، فتحت عنوان منزل الاحلام يتم استعراض ما تقدمه التكنولوجيا في انجاز الحلم، فبعد ان تقوم بتغذية العقل الالكتروني بكل ما تحب وتشتهي من أكل وشرب، وبتفاصيل برنامجك اليومي المعتاد والذي يدخل فيه وقت الاستيقاظ من النوم ووقت الافطار، وساعة خروجك من المنزل، وساعة عودتك اليه، يقوم العقل الالكتروني بتحليل كل ذلك ليبدأ العمل من الصباح الباكر حيث يقوم بإيقاظك، وفي الوقت الذي تستمتع فيه بحمامك الصباحي يقوم هو في اعداد قهوتك وافطارك وتسخين سيارتك وما ان تغادر منزلك تبدأ عملية التنظيف الداخلي.. وعملية رش الحديقة المنزلية والبدء بعملية الحراسة الالكترونية للمنزل بعيداً عن كلاب الحراسة والحرّاس.. الجديد في منزل الأحلام انه منزل معلوماتي مثير أو بشكل اكثر دقة هو «منزل انترنت» يديره صاحبه من بعيد بواسطة شبكة الانترنت التي تتداخل في جميع اوردته وزواياه وتفاصيله الداخلية، وتتيح الشبكة الالكترونية لصاحبه ان يرى وهو في عمله كل ما يحدث في منزله من احداث عبر دفتر شبكي يتواصل مع نظم التحكم المنزلي.. وتتيح اجهزة المسح الالكتروني الموجودة في مطبخ الاحلام التعرف على مخزونات الاغذية وتاريخ صلاحيتها ومعرفة ما اذا كانت الكميات الموجودة المتبقية تفي بالغرض، ام يجب طلب المزيد من الاحتياجات. قد يبدو ذلك خياليا، وقد تبدو صورة سيدة المنزل وهي تقف امام مطبخها المثير كصورة القروي الذي اعتقد ان جهاز الصرف الآلي خزنة ابن عمه، ولكن واقع الحال يقول عكس ذلك، امام هذا التسارع المعلوماتي الذي تتيحه شبكة الانترنت وامام لغة البرامج المتواصلة التي جعلتنا نمسح الغبار عن كثير من الاجهزة الالكترونية بينما هي تقول لنا «شبيك لبيك خادمك بين يديك» فهل نجد امام هذه الثورة المتسارعة بعد ربع قرن من الزمن المقبل أمّاً مثالية تستحق اللقب أم نرشح جميعنا الآلة الصماء؟!