لم تنجل بعد عاصفة التفجيرات في نيويورك وواشنطن، التي جعلت من 11 سبتمبر الجاري يوماً مشهوداً هزّ العالم، وأربك الحياة في المجتمع الامريكي برمّته. ولايزال البحث عن الأجوبة مستمراً حول الجهة المتسبّبة بهذا «الزلزال» الذي ربّما سيترتّب عليه الكثير من المتغيّرات على الصعيد الامريكي وفي العالم استطراداً. وفي إطار بحثها القلق والمتوتّر عن الأجوبة، وجدت الولايات المتحدة نفسها حيال مسألة بالغة التعقيد، اذ ان العمليات الانتحارية باستخدام طائرات ركاب مدنية، لم تكن تدور ببال وحسابات جهازي الـ «سي.أي.إي» والـ «إف .بي.أي» اللذين يحصيان حتى دبيب النمل في انحاء أمريكا إن لم نقل خارجها. هذا عدا عن مراقبتهما أنفاس الناس من خلال الاتصالات الهاتفية وتحكمهما بشبكة الانترنت الدولية والبريد الالكتروني! وإذا كنت لا أحسب نفسي من الضليعين بقراءة الابعاد الاستراتيجية لهكذا عمليات تدميرية معقدة، فإنني ايضا لا اطيق الخوض في مجاهلها التي اتركها للمحللين والمستشارين وصنّاع القرارين السياسي والعسكري الذين يتوقف على آرائهم مصير هذا الكوكب الهشّ الى حدّ الانفجار في أيّة لحظة. وسأبسّط المسألة قليلا لأتناول صورتنا نحن العرب في هذا الفيلم الامريكي الطويل الذي يواصل تصوير مشاهده منذ انهيار نظام القطبين في العالم وما تلاه من أفول لأجواء الحرب الباردة الى حد كبير. فقد تحوّل المشهد إذن، وباتت امريكا هي القطب الاوحد في العالم تسرح وتمرح اينما تريد وفي أيّ بقعة من هذه الارض، تنشر قواعدها العسكرية حماية لمصالحها، وتتدخل لفض النزاعات وفق الرؤية التي تبتغيها، وهكذا.. وصولاً الى سيطرتها على الاقتصاد العالمي تحت عنوان العولمة. ووسط هذا الجو كلّه.. كانت النظرة الامريكية حيال مسألة الشرق الاوسط تُختزل بأمن اسرائيل والهدوء والازدهار لشعبها أولا، وتُصنف الفلسطينيين بأنهم مجرد «مساكين» يجب ان يقدّم لهم بعض الفتات من ارضهم التاريخية السلبية، فيما ممنوع عليهم النضال لتحرير ارضهم وانجاز استقلالهم واعلان دولتهم، وتلك هي ابسط حقوق الانسان التي يدّعيها اهل الحضارة الغربية. والغرابة ان هذه النظرة الامريكية تطابقت مع الرؤية الاسرائيلية بل زايدت عليها في احيان كثيرة حول تطبيق الردّ الاقسى والاشد وبكافة الاسلحة امريكية الصنع اصلاً حيال ما تسميانه «العنف الفلسطيني». وللأسف، فان النظرة الامريكية التي تكيل بمكيالين وصلت ايضا الى مؤتمر مناهضة العنصرية الذي نظمته الامم المتحدة في دوربان بجنوب افريقيا، حيث اسهم الدعم الامريكي للصهيونية بإفشال الهدف الرئيسي للمؤتمر والمتعلق بإدانة الارهاب العنصري الذي تمارسه اسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين. ومن البديهي ان ما حدث من اعتداءات على مراكز حيوية في امريكا قد هال العرب والمسلمين وواجهوه بالاستنكار والشجب بل انهم تبرعوا بدمائهم إنقاذاً لأرواح الضحايا. وهذا الاستنكار ينبع من شعور بأن المصاب واحد فالارهاب الاسرائيلي فتك بالعرب طويلا ولايزال يمارس افعاله الشنيعة ضد الابرياء في فلسطين وغيرها. لكن ما يلفت هو كيف تعاملت الادارة الامريكية وكيف تعاطى اعلامها مع هذا الحدث المدوي.. لقد وضعوا المسلمين والعرب تحت مرمى الاتهام والتحريض العنصري منذ اللحظة الاولى في وقت لا تزال الفوضى العارمة تلف امريكا. لقد صلّى العرب والمسلمون في المساجد امس ودعوا الى نبذ الارهاب وقتل الابرياء، ووقف تلامذة فلسطين دقيقة صمت حداداً على الارواح التي أزهقت في تفجيرات امريكا، بينما كانت الدبابات الاسرائيلية تطلق حممها على بيوت الآمنين في مدن فلسطين، وفيما كان آلاف المواطنين العرب والمسلمين في امريكا وبلدان غربية يتعرّضون للشتائم والاعتداءات من قبل رموز الحقد والتعصّب العنصري هناك. وهذا كله يتم وسط تحريض اسرائيلي مكشوف ومتواصل يدعو امريكا الى تشكيل جيش عالمي لمكافحة الارهاب. لكن أي ارهاب سيقاتله هذا الجيش المزعوم؟ وهل ثمة أهداف محددة له؟ ثم وفي حال تحقيقه ألن يضع اسرائيل على اللائحة؟! هذا هو السؤال المحيّر. فالقاتل يدّعي انه الضحية ومادام الامر كذلك.. فستظل الحقيقة عرضة للتحريف والتشويه بإصرار صهيوني مدعوم امريكياً. منذ يوم الثلاثاء 11 سبتمبر وحتى اليوم، حضرت امريكا على شاشات العالم كلّه، وغابت مشاهد اقتحام المدن الفلسطينية، وأغمض المقلب الآخر في العالم عيونه عن رؤية المجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني. أفلا تقتضي معايير الحكمة والعدل، اقامة بعض التوازن بين الرؤية الى مشهد الارهاب الذي ضرب امريكا وارهاب الدولة المتواصل الذي تمارسه اسرائيل ضد شعب أعزل وبسلاح امريكي. Email:Ismail_haidar@yahoo.com