أين الدليل؟ هكذا سأل ممثل فرنسا لدى مجلس الأمن الدولي نظيره الأمريكي بعد ان فرغ مندوب الولايات المتحدة من تلاوة بيان بشأن عملية قصف صاروخي امريكية سوت بالارض مصنعا لانتاج الادوية في السودان عام 1998. واشتمل ذلك البيان على «معلومتين» تحصلت عليهما اجهزة الاستخبارات الامريكية على حد قول المندوب الامريكي، وهما: اولا، ان المصنع ينتج مادة لصنع أسلحة كيماوية. وثانيا، ان صاحب رأسمال المصنع هو اسامة بن لادن. نهض المندوب الفرنسي ووجه الحديث الى زميله الامريكي متسائلا: أين الدليل المادي الذي يسند هاتين المعلومتين؟ وحتى هذه اللحظة.. بعد ثلاث سنوات.. يبقى هذا السؤال بلا اجابة. في هذه الأثناء أثبت التحليل المخبري داخل الولايات المتحدة نفسها ان عينة من التربة المحيطة بمصنع «الشفاء» ـ هي التي تحصلت عليها وكالة الاستخبارات المركزية من عملاء ـ لا تحوي المادة الكيماوية المشار اليها. وثبت قضائيا لدى محكمة امريكية ان صاحب رأس المال هو المليونير السوداني صلاح ادريس وليس اسامة بن لادن. واتقاء للفضيحة وافقت السلطات الأمريكية على تسوية خارج المحكمة مع محامي المليونير السوداني دفعت بموجبها تعويضا ماليا إليه. فهل لخصت الولايات المتحدة درس «مصنع الشفاء» السوداني قبل ان تدهمها صدمة «القيامة» المتمثلة في تفجيرات نيويورك وواشنطن في الايام القلائل الاخيرة؟ لا يبدو ان واشنطن قد استفادت من التجربة. فقد ثبت منذ السويعات الاولى لوقوع الكارثة الاسطورية ولما يزل الدخان الغباري المنبعث من ركام مبنى «مركز التجارة العالمي» ينتظم سماء نيويورك، ان ابن لادن باق في الذهنية الاستخباراتية والسياسية الامريكية كهدف سهل في متناول اليد، وان التحري الامني العلمي النزيه يختلط مع الغوغائية الدعائية المضللة. على الفور توالى على شاشة «سي ان ان» ظهور معلق تلو محلل، ولما تتحرك آلية التحري الأمني بعد، ولما يزل الشعور بالصدمة العنيفة هو الطاغي على المشهد الامريكي العام، كلهم تقريبا يقولون في لهجة التأكيد الادعائي ان المسئول عما جرى لامريكا والامريكيين هو تنظيم «القاعدة» الذي يتزعمه اسامة بن لادن. فما هو اصل المسألة؟ هل هو منهج تبريري لتقصير واهمال أم سياسة مقصودة؟ أنا شخصيا أزعم ان هذه الفورية الامريكية التي ترتقي الى مستوى التلقائية الغريزية في التوجه صوب ابن لادن ودول عربية واسلامية بعينها بل والعرب والمسلمين جميعا كأمة هي مزيج من تقصير مهني استخباراتي ونهج ثابت مقصود ومتعمد. أجهزة الاستخبارات الامريكية، الداخلية والخارجية على حد سواء، رغم مواردها الاسطورية من مال ورجال وجاهزية الكترونية، مصابة بداء العجز المهني المزمن كما ثبت بشواهد التطبيق الميداني. واذا كان مثل قصة المصنع السوداني يعكس على الصعيد الاستخباراتي الامريكي ذلك الشعور بالفشل الذي يؤدي الى اللجوء لاسلوب التلفيق القميء، فان العجز عن التوصل الى نتائج حاسمة بشأن حادثة تفجير «الخبر» بعد خمس سنوات من وقوعه وحادثة السفينة الحربية «كول» بعد ما يقارب عاما من عملية تفجيرها وعدم القدرة على التنبؤ بقيام «القيامة» قبل ايام في نيويورك وواشنطن.. كل هذا يعكس عيبا هيكليا في بنية الاجهزة الاستخباراتية الامريكية. والخطورة هنا هي ان الشعور بالعجز الحاد كلما وقع حادث جلل يؤدي الى الشعور بالاحباط الحاد. وفي هذه الحالة فان التصرف التلقائي المتاح هو الاشارة بأصبع اتهام الى الهدف السهل الذي، بسبب تراكمات التأثير الدعائي العام، يكون مقبولا لدى الشعب الامريكي. والهدف السهل على الدوام هو العرب والمسلمون في الدائرة الأوسع واسامة بن لادن في الدائرة الاضيق. فماذا اذن عن السياسة المقصودة؟