لم تكد تمر دقائق على ضرب برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» في واشنطن.. حتى كان مذيع الـ «C.N.N» يكرر باصرار ان «منظمة إسلامية فلسطينية» أعلنت مسئوليتها عن أحداث «يوم الرعب الأمريكي» الرهيب!! واللافت للنظر بشدة ان الـ «C.N.N» لم تذكر أبداً اسم تلك المنظمة المزعومة رغم انه غير منطقي اطلاقاً ان تدعي منظمة ما مسئوليتها عن ارتكاب أي حادث دون ان تذكر اسمها!! ورغم ان اكبر منظمتين إسلاميتين فلسطينيتين معروفتان جيداً بالاسم في الولايات المتحدة من خلال أحداث انتفاضة الاقصى.. ورغم ان المحطة الاخبارية الأمريكية تحدثت بعد دقائق عن احتمال ان تكون «جماعة إسلامية جزائرية» هي المسئولة عن الهجمات إلا ان المذيعين سرعان ما عادوا للحديث بتكرار واصرار عن «المنظمة الإسلامية الفلسطينية» التي لم يذكروا اسمها أبداً!! وبرغم ما كان واضحاً تماماً من عدم منطقية أو معقولية ان تقوم منظمة صغيرة مجهولة بتنظيم هجمات بهذا الحجم الهائل، وبهذا التخطيط المحكم ضد أهم رموز القوة الأمريكية. الرسالة كانت واضحة تماماً.. لقد كان المطلوب هو توجيه اصابع الاتهام نحو «المسلمين» و«الفلسطينيين» تحديداً.. وخاصة في تلك اللحظات الرهيبة، التي يجعل الرعب فيها الناس قابلين لتصديق أي شيء يقال لهم.. وخاصة اذا جاء من محطة التلفزيون الاخبارية الأولى في العالم. ولم تتوقف المحطة عن اتهامها «للمنظمة الاسلامية الفلسطينية» الا بعد ان القى الرئيس الأمريكي جورج بوش تصريحاً طالب فيه بالتريث في توجيه الاتهامات لأي طرف قبل ان تكشف التحقيقات عن حقائق ملموسة. وبالتناغم مع الـ «C.N.N» سارع كبار مسئولي الدولة الصهيونية إلى محاولة الصاق التهمة بما اسموه «الإرهاب الإسلامي» تارة و«التطرف الإسلامي» تارة أخرى، مؤكدين انهم طالما حذروا من خطورته، ودعوا العالم المتحضر إلى مشاركة إسرائيل في مكافحته!! ويقصد الزعماء الصهاينة أساساً ـ بالطبع ـ الكفاح المسلح الذي تخوضه حركتا «حماس» و«الجهاد» ضد دولتهم الغاصبة. ومرة اخرى تنبغي الاشارة إلى ان محاولة المسئولين الإسرائيليين الصاق التهمة بما اسموه «الإرهاب الإسلامي» جاءت قبل ان يتضح أي شيء عن الجهة المنظمة للهجمات!! وقبل ان يتهم أصحاب الشأن انفسهم اية جهة!! وبينما كان العالم كله لا يزال يتابع تطور الأحداث وهو غارق في الذهول. عمليات مريبة ويبدو ذلك كله مريباً ومشبوهاً إلى أقصى حد على ضوء حقيقة ان الإدارة الأمريكية نسفها لم توجه اتهاماً رسمياً إلى اية جهة حتى هذه اللحظة. كما ان ما يتردد عن العثور على وثائق هوية عربية أو جوازات سفر باكستانية يمكن ان تكون لها علاقة بأحداث «يوم الرعب» الأمريكي، لم يتأكد بصفة رسمية من جهة، ولم تبدأ الاشارة له أصلاً إلا بعد مرور ساعات طويلة على الأحداث، أو في اليوم التالي لوقوعها. ويؤكد ذلك ان إسرائيل وأصدقاءها في الولايات المتحدة حاولوا منذ اللحظات الأولى للأحداث ان يوجهوا جهات التحقيق والرأي العام الأمريكي والعالمي في اتجاه محدد، بما لذلك من انعكاسات على الإدارة الأمريكية المحتمل في نهاية المطاف. ولا يزال في الذاكرة ما حدث أيام انفجار «اوكلاهوما» حينما تسابقت أجهزة الإعلام في الاشارة إلى رؤية الشهود لاشخاص ذوي ملامح شرق أوسطية في مكان الحادث ثم اتضح فيما بعد ان الجاني جندي أمريكي، هو تيموثي ماكفاي الذي تم اعدامه مؤخراً. وتبدو مثل هذه التصرفات غير المسئولة ومحاولات استباق التحقيق، خطيرة بل واجرامية اذا وضعنا في اعتبارنا الاجواء السياسية والنفسية المسيطرة على الرأي العام الأمريكي والإدارة الأمريكية على السواء بعد أحداث يوم الثلاثاء الرهيب. لقد مثلت أحداث ذلك اليوم ضربة بالغة القسوة لهيبة الولايات المتحدة.. القوة العظمى الوحيدة في عالمنا، فقد طالت الضربات المدمرة أهم رموز القوة الأمريكية.. البنتاجون رمز الجبروت العسكري.. ومركز التجارة الدولي رمز العظمة الاقتصادية.. وحل الدمار بعاصمتي الولايات المتحدة «بل والعالم» السياسية والاقتصادية.. وبطريقة لم تكن تخطر على بال أحد. وسقط آلاف الضحايا. وأدى الفزع من احتمالات تكرار الضربات إلى اخلاء البيت الأبيض ومبنى الكونجرس «الكابيتول» ووزارة الدفاع. والواقع ان الولايات المتحدة لم تتعرض لكارثة بهذا الحجم منذ كارثة «بيرل هاربور» التي دفعتها لإعلان الحرب على اليابان ودخول الحرب العالمية الثانية. كما مثلت هجمات يوم الثلاثاء الرهيب ضربة بالغة القسوة لاحساس المواطنين الأمريكيين بالأمن على حياتهم، وهم الذين كانوا يعتبرون بلادهم قلعة العالم. وكشفت تلك الأحداث أيضاً عن ثغرات خطيرة للغاية في نظام الأمن الأمريكي بأجهزته الضخمة الكثيرة وفي مقدمتها وكالة المخابرات المركزية والمباحث الجنائية الفيدرالية ووكالة الأمن القومي، وغيرها من الأجهزة التي تنفق عليها عشرات ان لم يكن مئات المليارات من الدولارات.. أي ما يعادل دخل دول عديدة. والأمر المؤكد ان يوم الثلاثاء 11 سبتمبر عام 2001 هو أحد أكثر الأيام سواداً في تاريخ الولايات المتحدة والشعب الأمريكي. والأمر المؤكد أيضاً هو ان المهمة الاكثر الحاحاً المطروحة على الإدارة الأمريكية الآن هي محاولة استعادة هيبة القوة العظمى الوحيدة في العالم بأسرع ما يمكن. فبدون ذلك تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها الدولية، وتفقد الإدارة الأمريكية مصداقيتها أمام مواطنيها. مطلوب أعداء.. وبسرعة! ولاجل استعادة هذه الهيبة الضائعة يبدو من المؤكد ان الولايات المتحدة مدفوعة بقوة نحو أمرين: اولهما: سرعة العثور على منظمي أحداث «الثلاثاء الرهيب» وانزال اشد العقاب بهم. وفي ظل الثغرات الخطيرة في نظام الأمن والمخابرات الأمريكي ـ التي كشفت عنها الأحداث الأخيرة ـ فإن هذه «السرعة» يمكن ان تنطوي على مخاطر «التسرع» في توجيه الاتهامات وتوسيع نطاقها، وأخذ منظمات وتيارات أو ـ حتى دول ـ بالشبهات.. وتوجيه القوة الأمريكية العاتية ضدها دون ترو كاف. لا يزال حياً في الذاكرة كم جهة تم اتهامها بتدبير حادث لوكيربي قبل ان يستقر الاختيار على ليبيا!! ومن الضروري هنا الاشارة إلى ان الحملة التي بدأت في الولايات المتحدة لالصاق تهمة تنظيم أحداث «الثلاثاء الرهيب» بتنظيمات عربية أو إسلامية مرشحة بقوة للتحول إلى حملة كراهية عامة للعرب والمسلمين تغذيها إسرائيل والحركة الصهيونية الأمريكية والعالمية بما لها من نفوذ هائل في الإعلام. واذا كانت سياسة إدارة بوش تجاه العرب والقضية الفلسطينية قد عبرت عن انحيازها الاعمى لإسرائيل منذ الأيام الأولى لتلك الإدارة، فلنا ان نتخيل الأمر في ظل الحملة المرشحة للتصاعد بعد الأحداث الأخيرة.. ولنا ان نتوقع ان إسرائيل ستحاول استغلال انشغال الإدارة الأمريكية في معالجة هذه الأحداث لتصديق عدوانها ضد الشعب الفلسطيني. وهو ما لاحت بوادره المشئومة على الفور في جنين واريحا.. ولنا ان نتوقع مزيداً من انحياز الإدارة الأمريكية الاعمى لإسرائيل بعد الأحداث الأخيرة. استعراض العضلات الأمر الثاني الذي نتوقع ان تندفع إليه الإدارة الأمريكية بقوة كرد فعل لأحداث الثلاثاء الرهيب هو تصعيد سياستها العدوانية وميلها لاستعراض القوة أو استخدامها على الساحة الدولية عموماً ـ تأكيداً لهيبتها التي اصابها جرح عميق ـ وبشكل اخص تجاه الدول العربية والإسلامية المناوئة لها مثل العراق وسوريا وربما ايران. من هنا فإن الدول العربية مطالبة وبقوة بابداء اكبر قدر من التضامن فيما بينها وتنسيق مواقفها لكي لا نجد انفسنا مضطرين لأن ندفع «فرادى» ثمن اتجاه الولايات المتحدة لاستعادة هيبتها الضائعة من خلال البحث عن «كباش فداء» لتقديمها قرباناً على مذبح تلك الهيبة الجريحة. كما ان الدول العربية «ونخبها المثقفة» مطالبة ببذل جهد اعلامي اكثر جدية بكثير للتوجه نحو الرأي العام الأمريكي والدولي بشرح شامل ومتصل لموقفها من الإرهاب وهو نفسه الموقف الإسلامي لاحباط حملة الكراهية المتصاعدة ضد العرب والمسلمين. فنحن الذين ذقنا الأمرين على مدى تاريخنا الحديث من قتل الابرياء والعزل في بلادنا «في فلسطين أو مصر أو لبنان والعراق وليبيا وغيرها» سواء بأيدي الصهاينة أو أمريكا نفسها.. لا يمكن ان نرحب، بقتل الابرياء.. ومجال كفاح شعوبنا هي ارض بلادنا.. واعداؤنا. الذين نتخذ منهم هدفاً لضرباتنا هم اولئك الذين يحتلون اوطاننا ـ مهما تكن جنسياتهم ـ وليس مواطنين مسالمين بسطاء على بعد آلاف الاميال من بلادنا. لقد كان هذا هو سبيل كل الشعوب إلى الحرية من فيتنام إلى لبنان إلى الجزائر وكوبا.. وهو نفسه سبيل فلسطين.. ويبقى ان القضاء على الاستعمار والظلم هو السبيل الامثل لخلق بيئة دولية غير مواتية لانتشار التطرف والإرهاب. ـ كاتب مصري