خلال عقود عديدة اعتاد الغرب على أن يرانا ويقدم نفسه لنا من خلال مرآته هو التي صنعها خصيصا لإيهامنا وإيهام نفسه بأن له اليد العليا، ويملك مفاتيح التقدم، لا من خلال مرايا موضوعية تعكس حقيقة الواقع حتى يمكن اكتشاف إيجابياته وسلبياته، بل من خلال مرآته الخاصة التي تبدو كتلك المرآة التي كانت تملكها عجوز تسألها كل صباح من الأجمل، ولم يفاجئها أن أخرى أقل «شأنا» يمكن أن تكون الأجمل، لذلك فاجأته مواقف الآخرين خلال السنوات الأخيرة، والتي كشفت له لأول مرة أن مرآته لم تعد موضوعية سواء كانت محدبة أو مقعرة، أو على أي وضع كان، وانه عليه أن يعتاد على رؤية الحقيقة من خلال مرايا الآخرين، أو على الأقل أن يصدق ما تقوله مرآته عن وجود من هو أجمل حتى لو كان لا يملك التقدم التكنولوجي والصناعي الذي يتمتع به الغرب وحده. وربما كانت الصدمة الأولى التي جاءت من بلاد العالم التالي كرد على انعدام الموضوعية في التعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعالم من خلال طرد الولايات المتحدة من مقعدها في لجنة حقوق الإنسان، ردا على محاولاتها استخدام تلك اللجنة في عقاب الآخرين تحت شعار تعتبر أول من يخرقه، سواء في خارج الولايات المتحدة أو في داخلها وبين مواطنيها، وقد كشفت ممارسات مؤسساتها الرسمية خلال السنوات الأخيرة عن العنصرية التي يتعرض لها المواطنون الأمريكيون غير البيض والتي وصلت إلى حد الحكم بالإعدام على مواطنين أمريكيين يتمتعون بالانتماء إلى تلك «الأمة» ولكن كل ذنبهم أنهم من أصول أفريقية أو أمريكية لاتينية، بل ومن مواطني دول أوروبية «ديمقراطية» دون ضمانات قانونية حقيقية، وربما كان الحكم ببراءة المواطن الأسباني «خوسيه خواكين» بعد خمس سنوات قضاها في ممر الموت بعد الحكم عليه بالإعدام زورا دليلا على تلك العنصرية حتى مع مواطني الدول الذين ينتمون إلى دول ترفع شعارات الولايات المتحدة نفسها. ثم جاءت لطمة «دوربان» للولايات المتحدة التي لم تجد أمامها سوى طريق الهرب من مواجهة الاتهام بالعنصرية الصهيونية التي تدعم في ممارساتها ربيبتها إسرائيل التي تقوم على أساس عنصري: الدين اليهودي والأيديولوجية الصهيونية، وتمارس التفريق العرقي ليس ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض التي أقامت عليها دولة من فراغ تاريخي لتحقيق أسطورة لا توجد إلا في ذهن مريض بالاستعمار، بل أيضا ضد سكانها من اليهود المهاجرين إليها، حيث يجري التعامل مع اليهود الشرقيين على انهم من درجة أدنى من اليهود البيض الغربيين، وهو التمييز نفسه الذي يجده مواطنو الولايات المتحدة في بلادهم. الانسحاب الإسرائيلي الأمريكي من مؤتمر التميز العنصري في «دوربان» يعتبر تأكيدا على أن الحقبة «الأمريكية» بدأت في الانتهاء قبل ان تبدأ بشكل حقيقي، وكشف عن العقلية التي تدير علاقات الدولتين الخارجية، والتي يمكن وصمها بالجبن هروبا من مواجهة واقع يتغير ولكنهما لا تريدان الاعتراف به. إضافة إلى أنه كشف إلى أي مدى تتعانق المصالح الأمريكية والإسرائيلية التي ليست في حاجة إلى الكشف عن هذا التعانق، لأنهما ليست مصالح متطابقة فقط بل أن إسرائيل لا تعدو أن تكون جزءا لا يتجزأ من الولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكن قبول أي انتقاد موجه إلى إسرائيل لأنه يفسر على انه نقد موجه للولايات المتحدة. من هنا كان على الولايات المتحدة ان تتخذ موقفا من ما كان شبه مؤكد منذ اللحظة الاولى من انعقاد مؤتمر دوربان وهو ان الادانة الموجهة لاسرائيل كانت مجرد عملية وقت لا اكثر، خاصة ان المنظمات غير الحكومية التي تعتبر صوت الشعوب اكثر من منها صوت الحكومات قد حكمت بإدانة إسرائيل بالعنصرية، فكان تطبيق دبلوماسية الهروب الأكثر أمانا، حتى لا تواجه فشلا جديدا كما حدث في لجنة حقوق الإنسان خاصة بعد أن اكتشفت أن الضغوط ما بين الترغيب والترهيب لم تعد تنفع كما كان يحدث في الماضي، وأن حكومات العالم الثالث حتى التي تسير على خطى الغرب أصبحت غير قادرة على مجاراة الولايات المتحدة في ممارستها غير الديمقراطية عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع دول من خارج الدائرة الغربية. ومحاولات الولايات المتحدة تفسير هروبها مع إسرائيل كاشفة عن أي مدى وصلت مكانتها بين دول العالم بعد عقد واحد من فرض هيمنتها والتربع على نظام «القطبية الواحدة»، إلى درجة أنها فشلت في إقناع حلفائها من أوروبا الغربية بالانسحاب وترك المؤتمر يواجه «فشلا» إعلاميا، كما كانت تتنبأ وسائل الإعلام الغربية نفسها. لأن المسئولين الغربيين أنفسهم، من سياسيين وإعلاميين، رأوا أن مغادرة قاعة المؤتمر تتنافى مع ما تعلنه الحكومات الديمقراطية عن ضرورة الحوار مع الآخر لحل المشاكل العالقة بدلا من اللجوء إلى وسائل أخرى مدمرة، يمكن أن يكون الهروب من المواجهة السياسية طريقا سهلا إليها، لأنه من غير المنطقي مطالبة الآخرين بالحوار، والهروب من أي حوار لمجرد الإحساس بإمكانية تحقيق أهداف ضيقة وخاصة لعدم موافقة الأغلبية عليها. وعدم انصياع الدول الغربية لدبلوماسية الهروب من المواجهة مع دول العالم الثالث في دوربان لهو في الحقيقة موقفا ديمقراطيا حقيقيا قائما على قبول رأي الأغلبية كما تقضي قواعد الديمقراطية، بل كان أيضا محاولة لتجميل الأوضاع التي آلت إليها العلاقات مع باقي دول العالم والتي تنذر بمزيد من التردي، والإسراع بتوجيه الإدانة إلى النظام «الديمقراطي» نفسه الذي تحاول تلك الدول تسويقه لدول العالم الثالث على انه الوصفة السحرية لحل كل مشاكله المعلقة. لأن الانسحاب من مواجهة دبلوماسية في مؤتمر مثل مؤتمر دوربان يعني أن تلك الديمقراطية ليست سوى شعار يرفعه الغرب الاستعماري لتجميل سيطرته على الآخرين، أو لفرض مزيد من السيطرة تحت رايته، وضرب للقاعدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام وهو تعدد الآراء، وقبول الخلاف في إطار الحوار بين الآراء جميعا، ومن هنا حاولت دول أوروبا الغربية التغطية على دبلوماسية الهروب الأمريكية الإسرائيلية بمحاولة خداع الآخرين، من خلال الترغيب والترهيب، وفي ناحية أخرى من خلال فرض إرهاب إعلامي حقيقي. فقد بدأت محاولات الترغيب من جانب دول أوروبية غربية مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا بالمطالبة برفض توصية «وصم» إسرائيل بالعنصرية مقابل دعم توصيات أخرى، كانت تبدو غير مقبولة أيضا من جانب الغرب لأنها تتضمن إدانة صريحة لممارساته العنصرية خلال ماضيه الاستعماري. وثم كان الإرهاب الإعلامي المسلط على رقاب الجميع كل صباح من خلال المطالبة بالتخلي عن وضع هذه التوصية في بيان المؤتمر النهائي حتى لا يكون فشلا للمؤتمر في تحقيق أهدافه، دون أن تعي أنها تتحدث أيضا من منطق مخالف للمنطق الديمقراطي الذي تعتنقه وترفع رايته، لأن النجاح والفشل مسألة نسبية، فما يسميه الغرب فشلا لنجاح توصيات تقدمت بها الأغلبية يعتبر فشلا خاصا به لا فشلا للآخرين الذين تقدموا بتلك التوصية ونجحوا في الموافقة عليها بأغلبية وهو أمر يتسق مع قواعد الديمقراطية ولا يعتبر «دكتاتورية »كما يحاول البعض ان يصفه في الإعلام الغربي. إن نجاح دول العالم الثالث في تمرير توصيات معينة بأغلبية كبيرة يعتبر نجاحا للمؤتمر، ولو حدث العكس وفشلت تلك التوصيات في الحصول على الأغلبية المطلوبة فان هذا لا يعتبر فشلا، بل يعتبر نجاحا أيضا، لأن التوصيات التي لا تحوز على الأغلبية لا تستحق التطبيق. ولكن تصوير فشل الغرب في الحصول على أغلبية في المؤتمر على انه فشل للمؤتمر نفسه أمر غير مقبول ويتنافى مع قاعدة «المساواة في التعامل» التي فرضتها العلاقات السليمة، سواء بين الدول أو حتى الأفراد، ومحاولة فرض رأي الأقلية على الأغلبية لمجرد أن تلك الأقلية تعتقد أنها على حق، يتنافى مع قبول الرأي الآخر ديمقراطيا. وربما كان الموقف الأوروبي، إلى جانب محاولة إصلاح ما أفسدته دبلوماسية الهروب الأمريكية الإسرائيلية، محاولة الهروب أيضا من الإدانة بممارسة العنصرية ضد شعوب العالم الثالث خلال فترات الاستعمار الطويلة التي تمتعت خلالها الدول الأوروبية بثروات دول العالم الثالث، باعتبار أن الاستعمار يعتبر في جانب منه ممارسة للعنصرية، إضافة إلى إمكانية مطالبة دول المستعمرات السابقة بالتعويض عن تلك الحقبة الاستعمارية وهو أمر عادل. وخلال ممارسة الدول الأوروبية للضغوط على ممثلي الدول الأخرى استخدمت ممارسة عنصرية أيضا، حيث ادعت بعدم عدالة تقديم تعويضات عن ممارسات حدثت في الماضي، دون أن تنتبه إلى إنها تسابقت فيما بينها قبل سنوات قليلة في تعويض إسرائيل عن ممارسات بعضها ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، بل أن بعضها مارس ضغوطا على دول أخرى لدفع تعويض لا دليل عليها على الإطلاق، وتم دفع الأموال لإسرائيل على الرغم من أن تلك الدولة لم تكن موجودة خلال تلك الممارسات. إن الغرب في حاجة إلى المزيد من الدروس من جانب دول العالم الثالث لينتبه إلى أن حقبة الهيمنة في طريقها إلى الزوال، وعليه أن يتعلم منذ الآن انه مطالب بالتواضع أمام الآخرين الذين يملكون الحق نفسه في فرض رأيهم من خلال الأغلبية في مواجهة الأقلية، وان دبلوماسية الهروب ليست الحل، لأن من بدأوا في رفض الضغوط لتغيير آرائهم سيأتي اليوم الذي ينفذون فيه توصياتهم. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا