في الغابة يصيبك الألم اذا عايشت لحظة سقوط شجرة، رغم انها غابة يكثر فيها الشجر، يكبر فيك الألم ويزداد حزنك اذا كانت الشجرة الساقطة تنتمي الى فصيلة الاشجار النادرة والمعمرة، طويلة الجذور كثيرة الاغصان غزيرة العطاء. انك تبكي، وتبكي ما هو اكبر من السقوط، تاريخها الطويل، عمرها الجميل، تعرف انها قيمة لا تعوض، وانها خسارة كبيرة حتى ولو كانت تعيش في عالم الغابات. كيف حالك لو ان هذه الشجرة مكانها الصحراء، تعيش فيها صامتة شامخة كالظل الواقف المعزول عن فضاء العطش، دورها في الرمال الجائعة يساوي قيمة الماء والحياة، فالصحراء لا تنبت ارضها بكثافة، انها جافة شحيحة، عشبها لا يكبر بسرعة واشجارها قليلة معدودة، متباعدة في مكان وزمان نبتها، لهذا قدرها كبير عند من يسكن الصحراء، وكلما مر عليها الزمن وهي ثابتة واقفة زادت وارتفعت مكانتها في القلوب فماذا لو سقطت شجرة معمرة وغادرت الصحراء؟! حمودة بن علي شجرة خير عمرت طويلاً وظللت كثيراً واعطت وكانت سخية في البذل والعطاء. وفي صحراء مثل التي نحن فيها من حيث طبيعة التضاريس، كذلك في صورة اخرى للصحراء التي تعني قلة اهل البلد وأهميتهم، يكون للشجرة الطيبة والمعمرة منزلة عالية في قلوب من يعرفها او يسمع بها، فعندما تحبك الارض تحبك القلوب ايضاً. عندها فإن لحظة الموت تكون اكثر مرارة، تشعرك بقوة الحب وقسوة الفراق. صورة حمودة بن علي محفوظة في تاريخ هذا الوطن قبل ان يقوم ككيان واحد ولحظة قيامه وسنوات بنائه ونهضته وازدهاره، انه في كل سنوات مدينة ابوظبي ودولة الاتحاد. حكمت عليه المواقف والاعمال والمناصب التي تقلدها ان يكون كتوماً، عسكرياً صلباً، فهكذا اعمال الشرطة والأمن تكون مواصفات المنتمي لها والذي يكون على رأس الهرم في هذا القطاع يكون اكثر التزاماً وتشدداً. وفي مراحل اخرى حكمت عليه ان يكون دبلوماسياً، محاوراً يجيد الاقناع بالحسنى. وفي كل المراحل كان عليه ان يشارك في اثقل المهام وأصعبها، أمن الدولة واستقرارها وقضية التركيبة السكانية، وقضايا الحدود والعلاقات مع دول الجيران ورغم كل المناصب والمشاغل، حافظ على امور مهمة لم يسمح لقشور الحياة ان تغيرها فيه، وهي ان يكون حمودة الانسان الطيب المتواضع، البدوي الاصيل، وهكذا حفظت قلوب الناس صورة حمودة بن علي، لهذا كان رحيله قاسياً على القلوب. في هذا الرحيل المفاجئ نستشعر خسارة الرجل ونستشعر ايضاً خسارة الذاكرة، ثروة مهمة رحلت مع حمودة رحمه الله. في ذاكرته تاريخ يحمل تفاصيل كثيرة ودقيقة ومهمة عن هذا الوطن، عن بدايات أبوظبي وعن أيام الاتحاد وعن مسيرة البناء، عن صاحب السمو رئيس الدولة الذي كان قريباً دائماً منه ومن مجلسه في كل الفترات والأزمنة كذلك مع حكام الامارات ورجالات الدولة هذا التاريخ الغني خسرناه فجأة، فطوال حياة حمودة وغيره من الخبرات والشخصيات التي ساهمت في بناء الوطن لم تفكر جهة او مهتم في توثيق هذه الذكريات وما تحمله من معلومات وتجارب وشهادات. والنتيجة اننا خسرنا الكثير ـ ولانزال ـ وهي خسارة لا تعوض، وهي محسوبة من ذاكرة الوطن، وسندفع ثمنها اكثر في المستقبل!.. ورحم الله حمودة بن علي. shmitrif@hotmail.com.