نحن ننتمي الى فئة الشعوب التي تستعمل حركات الأيدي بكثرة خلال الكلام، وذلك حسب تفسير طوباوي، لكي نوصل الفكرة الى أعماق المستمع بحيث نشغل أذنيه وعينيه ونملأ عليه جميع منافذ الاحساس بنا أو بوجهة نظرنا. يقاسمنا في هذه الميزة جميع أبناء الدم الفائر كالأتراك والإيطاليين. فالتركي يقلب يديه كثيراً ويبدل مواقعهما في النص حسب قوة المشهد، فإذا كان الشرح حامياً فإنه يرفع ذراعه الى الأعلى ويضم أصابعه بحركة مدربة ثم يطعن بها الهواء أمام وجه محدثه في حين يتفادى ان يفرد سبابته اثناء الطعن لأنها ذات دلالة يمكن ان تودي بسائر جسده الى الجحيم، لذلك يعتمد كثيراً على حركات المرفق والرسغ دون اتاحة الفرصة للأصابع المضمومة لقيادته الى التهلكة، فمن المعروف لدى الأتراك ان حركات الاصابع لها دلالات، فالسبابة المضمومة مع الإبهام على شكل كرة تعني شتيمة لأحد الأقارب من الدرجة الأولى، أما اذا كانت السبابة مفتوحة بشكل مستقيم ومشدود والإبهام مضمومة الى الخنصر والبنصر والوسطى فذلك يعني انه يوجه تهديداً قاسياً الى محدثه، ولكن عندما يساوي يديه على ارتفاع واحد وقد بسط كفيه وفتح جميع أصابعه أمام وجه محدثه وكأنه يقبض على كرة «فتبول» فهذا لا يعني انه يصف وقائع مباراة رياضية ولكنه يصف لمحدثه جغرافيا شكل أنثى تعجبه وسيطول الشرح حتى يمل الطرف الآخر. لكن الإيطالي يأتي في درجة متقدمة بالنسبة لحركات الأيدي، فهو لا يستعمل يديه أثناء الحديث كثيراً لأنه يجيد استخدامهما في الصمت باعتباره أبلغ من الكلام في بعض المواقف، لذلك لا يقول للمرأة أنا أحبك واضعاً يده على قلبه، بل ليقطف قبلة ويرميها الى حبيبته على الطرف الآخر من الطريق، وفي مواقع اخرى يعقد اصابعه على شكل رباط حذاء مما يعني انه يخبئ لها هدية، واذا سارت أموره على خير ما يرام سيجتهد كثيراً في استعمال الأصابع حيث يفرد كفه (خمسة) في الهواء ويشير بعدها الى ساعته وهذا يعني بكل بساطة انه يحبها ولديه هدية من أجلها ويريد ان يراها الساعة الخامسة، واللبيب من الإشارة.. يحضر. حركات الأيدي عموماً تعبر عن قوة الشخصية لأن الذين يستخدمونها بكثرة ـ حسب تفسير طوباوي ـ لا يمتلكون شخصية قوية او يريدون صرف انظار محدثيهم عن التمعن في عيونهم الى ملاحظة حركات اصابعهم حيث تسهل عملية التأثير والتوصيل للأفكار، وهؤلاء كثر في مجتمعنا فهم لا يوفرون حركة الأيدي في اي موضوع ويستثمرون حركات لا ارادية في شرح موضوعاتهم للآخرين وقد يبدو مألوفاً ان تجد شخصاً يطوح بذراعيه في الهواء ثم يضمهما الى صدره او يضعهما على خاصرتيه او يفرك بهما ذقنه او يردهما الى خلف ظهره او يعقدهما على معدته ضاغطاً الهواء منها ليتجشأ وكأنه تناول طعاماً دسماً، فإذا اقتربت منه ستدرك حقيقة الأمر فقد وضع سماعة هاتفه النقال في أذنيه وراح يشرح لمحدثه على الطرف الآخر تبعات المسألة وخلفياتها التي ترافقت مع مجمل تلك الحركات الآنفة الذكر. ترى لو طلبنا منه ان يوقف حركة يديه لاختصر كثيراً من الوقت الضائع في الثرثرة والشرح. ولأننا شعب يحب الشرح فقد شرحنا كثيراً وأعطينا مواعيد اكثر وقدمنا هدايا مختلفة ولم يقتنع الطرف الآخر بوجهة نظرنا. يبدو اننا يجب ان نغير طريقة خطابنا مع الآخر لأن تلويح الاذرع وتطويحها في الهواء لم يعد مجدياً، فهي مجرد حركات مكشوفة لا تعني سوى اننا اضعنا الكثير من تمارين الاصابع في هواء التاريخ وصار لزاماً علينا ان نتلقى حركة سلبية كالسبابة المضمومة الى الابهام والاصابع الاخرى المرصوصة الى بعضها علنا نفيق على شتيمة تطال وطناً من الدرجة الأولى. E-mail: H-S-D@maktoob.com