ما قيمة الثروة بلا امن؟ما جدوى ان تكون ثرياً وسط محيط من الفقراء الجيران يتهددون حياتك الشخصية وحياة افراد اسرتك وأنت تدرك انك جمعت ثروتك عن طريق استغلال قواهم الانتاجية؟ هذا هو نوع السؤال الذي يجب ان يطرح بشأن تطبيق نظام «اقتصاد السوق» في دول العالم الثالث، ذلك النظام الذي صمم ليجعل الاغنياء اكثر غنى والفقراء اكثر فقرا، وبالتالي يظل الفقراء في حال تربص مستديم بالاغنياء فتنتشر الجريمة بأنواعها. في هذا السياق نقلت صحيفة بريطانية صورة من واقع الحياة في البرازيل كدولة في العالم الثالث يعتبرها الغرب من افضل نماذج «نجاح» قصة اقتصاد السوق في مجتمع كان متخلفا. الصورة الخارجية العامة للبرازيل لا توحي الا بازدهار اقتصادي متواصل.. وهي الصورة التي تعكسها ارقام معدل النمو وارتفاع الناتج القومي الاجمالي والعافية التي يتمتع بها ميزان المدفوعات والميزان التجاري وسائر الارقام الاحصائية التي يستشهد بها الخبراء الاقتصاديون. لكن الصورة الاجتماعية التي تعكس توزيع الثروة بين فئات المجتمع امر مختلف تماما بما يجعل البرازيل دولة غنية اقتصاديا فقيرة اجتماعيا. تقول الصحيفة البريطانية انه صار من لوازم الحياة الضرورية للاغنياء في البرازيل ان يكون للرجل سيارة مضادة للرصاص ومنزل داخل مجمع اسكاني محاط بسور معدني تقوم عليه حراسة مشددة لمدى الاربع وعشرين ساعة. فالأثرياء يعيشون على الدوام حالة خوف من النهب او الاختطاف وبالتالي فانهم ينفقون نسبة كبيرة من دخولهم على مستلزمات الامن الشخصي. والسبب المباشر لهذا المسلك هو ان اجهزة الامن الحكومية لم تعد قادرة على اداء واجبها. اما السبب غير المباشر فيتعلق بطريقة توزيع الثروة. فالمجتمع ينقسم الى فئتين: شريحة صغيرة من اصحاب المليارات او الملايين وغالبية محرومة تعاني بؤسا معيشيا يزداد يوما بعد يوم. وبما أن رجال الشرطة ينتمون الى هذه الطبقة المسحوقة باعتبارهم من اصحاب الدخول المحدودة فإنهم يضطرون من اجل البقاء الى اهمال واجباتهم الرسمية بالاستجابة الى ما يتلقون من عروض رشوة من عصابات الجريمة المنظمة. ومن ثم ينفرط عقد النظام.. فيضطر اصحاب الطبقة الموسرة بدورهم للاعتماد على مواردهم الذاتية لتوفير الحماية الامنية لأنفسهم وعائلاتهم. من هنا كان رواج سلعة السيارات المضادة للرصاص لكي يتقي الاثرياء شر رجال عصابات الجريمة المنظمة. ومع ازدياد حوادث الاختطاف والقتل والابتزاز دخلت الآن في البرازيل الطائرات المروحية كوسيلة للتنقل الداخلي لكبار رجال الاعمال. وتفيد الاحصاءات ان الانفاق على الامن الشخصي في البرازيل بلغ ما يقارب عشرة مليارات دولار وهو ما يزيد على ما تنفقه الدولة رسميا على اجهزة الامن لدرجة ان عدد الحراس الامنيين الشخصيين بلغ نحو 1.5 مليون.. اي ما يفوق قوة الشرطة بأكثر من ثلاثة اضعاف. فإلى اين تسير الامور؟ ان انتشار الجريمة المنظمة في مثل هذه الحالة ليس سببا وإنما هو نتيجة. ولن ينحسر هذا الشر الا بانحسار اسبابه الجذرية، فهناك ظلم اجتماعي واسع النطاق في بلدان العالم الثالث افرزه تطبيق نظام اقتصادي ترفع بموجبه الدولة يدها عن حركة الاقتصاد الوطني ليحل محله اقتصاد الغاب باسم «حرية السوق» لكي يأكل القوي الضعيف. وإذا كانت النتيجة النهائية هي ان تنفرد شريحة ضئيلة بمعظم الثروة على حساب المجتمع العريض فإن النتيجة الحتمية الاخرى هي ان افراد هذه الشريحة لن ينعموا تماما بثرواتهم مع بقاء حياتهم وحياة عائلاتهم مهددة الى الأبد.