يواجه الفلسطينيون حرب ابادة يشنها شارون وحكومته. وتصعد اسرائيل من عملياتها الدموية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني وقادته، مما يؤدي الى ازهاق ارواح كثير من الابرياء. واذا استمر هذا التصعيد فسيؤدي الى احداث شلال دم في فلسطين ينذر بأوخم العواقب. وعلى الرغم من البسالة والتضحية العظيمتين اللتين ابداهما ويبديهما الفلسطينيون فانهم في حاجة ماسة الى الدعم العربي والعالمي، المالي والمعنوي والدبلوماسي والسياسي، لكف العدوان الاسرائيلي عن الشعب الفلسطيني الاعزل وهو يواجه الجيش الاسرائيلي بدباباته وطائراته ومدافعه. هناك حاجة الى رافعات عربية لدعم الشعب الفلسطيني. لم يقدم العرب ما تستوجبه حرب ابادة الفلسطينيين من الدعم بمختلف انواعه. القمم يجب الا تقتصر على البيانات وعلى التعهد بدفع مبلغ مالي معين، رغم اهمية المال في دعم الانتفاضة الفلسطينية التي تذود عن القدس اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، القدس التي بارك الله تعالى حولها. يجب ان تتخذ مؤتمرات القمة قرارات باتخاذ اجراءات عملية ذات شأن، وان تتجسد في قراراتها الارادة العربية الصلبة. ان عدم تقديم العرب ـ وخصوصا على المستوى الرسمي ـ لما يفي بالغرض من الدعم للفلسطينيين المذبوحين المنكوبين انما هو تقاعس عربي. ويستطيع العرب شعوبا وحكومات ان يسندوا الشعب الفلسطيني وسلطة الاراضي الفلسطينية اسنادا مقررا وحاسما في شتى المجالات، دون ان يعرض هذا الاسناد الانظمة العربية للخطر او التهديد من الولايات المتحدة التي تؤيد اسرائيل تأييدا كاملا. تستطيع السلطات الحكومية العربية ان تتدخل وان تمارس التأثير على الولايات المتحدة. تستطيع تلك السلطات ان تقوم بتحرك سياسي ودبلوماسي على الساحة الأمريكية والأوروبية والعالمية. لا ينبغي لامريكا ان تستهين بموقف حلفائها من العرب. قلب الأولويات ضعف الموقف العربي والعالمي او تردده او ليونته احد العوامل التي تشجع شارون على مواصلة سياساته المعادية للسلام او التسوية العادلة والقائمة على القتل والاغتيال. وبسبب عدة عوامل، منها التدخل الاستعماري الغربي في المنطقة العربية ووجود اسرائيل وانعدام التجانس الاجتماعي واختلاف الرؤية، تعزز مركز الترعة القطرية في الاراضي العربية. لا توجد دولة عربية مستعدة لان تتخلى عن اعتباراتها القطرية. ورغم الطبيعة العربية للقضية الفلسطينية فإن التعامل العربي مع هذه القضية يعطي الاولوية للاعتبار القطري على الاعتبار القومي. فيما يتعلق بالموضوع العربي الاسرائيلي المصلحة اوالاعتبار القطري هو الراجح. المعركة في الواقع والفعل معركة اسرائيلية فلسطينية. ويريد الفلسطينيون والاسرائيليون ان يستنزف بعضهم بعضا.ولكن يوجد اختلاف جوهري في حالتي الاستنزاف. تحاول اسرائيل ان تستنزف القدرات والبنى الاساسية الفلسطينية: حرق الارض واتلاف الاقتصاد واقتلاع الاشجار وتدمير المنازل وقتل الرجال والنساء والاطفال وجعل الشعب معاقا جسديا ومعنويا. ويحاول الطرف الفلسطيني الاضعف اقتصاديا وماديا وعسكريا ان يستنزف الموقف الاسرائيلي عن طريق اقناع الطرف الاسرائيلي بجلد الفلسطينيين وصبرهم وصمودهم وتضحيتهم وبقدرتهم على إلحاق الاذى المادي والمعنوي بالطرف الاسرائيلي. من المفروض ان تستدعي هذه الحالة تدخل او واسطة طرف ثالث. في هذه الحالة في احيان كثيرة ـ كما يبين التاريخ ـ كان طرف ثالث ينبري للقيام بالواسطة او بالتدخل او بممارسة الضغط لدى الطرفين للتوصل الى حل او تسوية او مخرج لايقاف هذا النزيف البشري المستمر. في حالات كثيرة في الماضي كان مجلس الامن التابع للامم المتحدة يقوم بدور من هذا القبيل. ولكن الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية استبعدت تدريجيا بتأثيرها السياسي والدبلوماسي والمالي مجلس الامن عن القيام بدور الطرف الثالث. ومما سهل على امريكا ابعاد المجلس عن اداء دور الطرف الثالث هو انهيار الاتحاد السوفييتي والضعف الاقتصادي للاتحاد الروسي وبزوغ الولايات المتحدة بوصفها الدولة العظمى الوحيدة في العالم. لقد ابعدت الولايات المتحدة المجلس عن اداء دور الطرف الثالث دون احتجاج عربي يستحق الذكر. الانفراد الامريكي وترفض الولايات المتحدة اية مبادرة ترمي الى اعادة دور مجلس الامن بوصفه طرفا ثالثا، ولا تريد ان يؤدي الاتحاد الأوروبي دور الطرف الثالث، ولا تريد واشنطن ذاتها ان تؤدي دور الطرف الثالث. انها مؤيدة لاسرائيل وهي تراعي السياسة الاسرائيلية. ويولي العرب وجوههم شطر واشنطن سعيا الى ان تؤدي دور الطرف الثالث، ولكن واشنطن ليست طرفا ثالثا ولا تريد ان تكون كذلك. ومن شأن عودة مجلس الامن الى اداء دور الطرف الثالث ان تسهم اسهاما كبيرا في تحقيق الفلسطينيين لاهدافهم. وينبغي للسلطة الفلسطينية والدول العربية والدول المؤيدة للشعب الفلسطيني ان تبذل جهودا حثيثة ليؤدي المجلس هذا الدور. وثمة وجوه شبه ووجوه اختلاف بين ظروف الانتفاضة الفلسطينية وظروف الكفاح المسلح الذي خاضه حزب الله لاسترداد الجنوب اللبناني الذي كانت اسرائيل تحتله. لقد سعى حزب الله، كما تسعى الانتفاضة الفلسطينية اليوم، الى استنزاف الموقف الاسرائيلي وكسر الارادة الاسرائيلية على مواصلة الاحتلال. وقد نجح حزب الله في تحقيق هذا الهدف. وتوفرت عوامل ادت الى ذلك، ومن هذه العوامل وجود خط او شريان حياة بين حزب الله وسوريا وايران. وفي ذلك تختلف حالة الانتفاضة الفلسطينية. لا يوجد شريان حياة بين الفلسطينيين والبيئة المحيطة بهم، باستثناء فلسطيني 1948 (فلسطينيي الخط الاخضر) الذين وفروا كميات لا يستهان بها من المواد الغذائية والاموال واللوازم السكنية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك فضلا عن المبالغ المالية التي وفرتها الدول العربية والمنظمات الاسلامية للانتفاضة. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية في الولايات المتحدة