عندما كان هنري كيسنجر مستشارا للأمن القومي في البيت الأبيض في عهد ادارة نيكسون ـ كان يحرص على أن يلعب دوره في معظم الأحيان من خلف ستار حتى لا يسرق الأضواء ـ كما يقولون ـ من وزير الخارجية وقتها ويليام روجرز - صاحب المبادرة الشهيرة في الشرق الأوسط، التي قبلها الزعيم عبدالناصر في صيف عام 1970. لكن على عكس كيسنجر فإن المستشار الحالي للأمن القومي في البيت الأبيض - السيدة كوندوليزا رايس لا تخفي اقترابها من الأضواء والميكروفونات وربما لا تحرص - كما فعل كيسنجر من قبل وقد جاء مثلها من صفوف الاكاديمية الجامعية على أن تلعب دورها بين جدران مكتبها في الموقع الرئاسي في واشنطن دون أن تخطف الضوء والأهمية من وزير الخارجية الأصلي - كولن باول. وربما بلغ الأمر الدرجة التي لاحت معها توقعات ومراهنات في بورصة السياسة الخارجية الأمريكية تقول بأن الأمر سيؤول في نهاية المطاف الى أن تصبح البروفيسورة رايس هي وزيرة خارجية الرئيس بوش ان لم يكن في حقبة الولاية الأولى الراهنة، فقد تكون في عهد الولاية الثانية - المأمولة بالطبع في عام 2004 وعليك خير. رحلات الوزير والمستشارة في هذ الاطار يلاحظ المحللون السياسيون في العاصمة واشنطن أن رحلات الجنرال الوزير باول تتسم بالطابع الرسمي بمعنى الروتيني أو الاعتيادي في حين أن رحلات أو مهمات المستشارة كوندوليزا رايس تتسم بالطابع الاستثنائي الفائق الأهمية. في هذا السياق يضربون لك مثلا عندما تحركت الطائرة الخاصة التي تجمع بين اللونين الأزرق والأبيض من قاعدة اندروز الجوية في أواخر يونيه الماضي وقد توجهت غربا تحمل الوزير باول في زيارة الى 5 عواصم في آسيا وفي الوقت نفسه اقلعت طائرة بوينج مماثلة في اللون والمكانة والخصوصية تحمل المستشارة رايس وكانت وجهتها هي صوب الشرق بالتحديد الى روسيا في رحلة وصفت بأنها غير عادية وطبعا غير روتينية بالنسبة لأحد معاوني الرئيس بوش وكان هدفها هو الاجتماع الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين. على الفور وكما كتبت «نيويورك تايمز» في تحليل اخباري فسر المحللون الأمر على النحو التالي: ـ الرحلة الى روسيا معناها أن السيدة رايس، وليس وزير الخارجية كولن باول كانت أول مسئول عند مستوى القمة في سياسة الرئيس بوش الخارجية يزور موسكو التي مازالت معارضتها لمشروع بوش في بناء حائط الصواريخ مسألة شائكة تحتاج الى تفاوض على أعلى مستويات الأهمية والمسئولية. من بين هؤلاء المحللين كان البروفيسور (ايفودالدر) من كبار الباحثين في مؤسسة بروكينغز البحثية الشهيرة (هي التي وضعت معالم السلام المصري) الساداتي الاسرائيلي منذ موقعة (كامب ديفيد الأولى عام 1978). الأستاذ (اينودالدر) عاكف حاليا على وضع دراسة عن تاريخ مستشاري الأمن القومي في البيت الأبيض وقد وصف رحلة المستشارة الرئاسية قائلا: ـ إن رحلتها الى موسكو غير مسبوقة، فلم يحدث منذ أيام كيسنجر أن ذهب مستشار للأمن القومي في مهمة دبلوماسية كهذه الى موسكو. اجتماع سوبر في الكرملين ولا تقف المقارنة بين السيدة رايس والوزير باول عند هذا الحد لقد لوحظ أيضا أنها انفردت باجتماع عقدته في الكرملين وأجرت فيه محادثات مطولة وعلى أنفراد مع الرئيس الروسي بوتين فيما لم يتلق وزير الخارجية الأمريكي باول مع بوتين على انفراد قط ولا جمعته الظروف الى بوتين اللهم الا في اجتماع سلوفينيا الذي ضم الرئيسين بوش وبوتين في أول قمة ضمت الرجلين طبعا كان الوزير باول يشغل مكان المعاون لرئيسه الأمريكي وليس مكانة الند للرئيس الروسي على نحو مافعلت المستشارة كوندوليزا رايس. صحيح أن الوزير بأول عقد 6 اجتماعات مع الجانب الروسي لمناقشة قضية الصواريخ الا أن هذه الاجتماعات كانت مع وزير خارجية موسكو ايجور ايفانوف الذي يوصف بأنه لاعب ثانوي على مسرح السياسية في العاصمة الروسية حيث أن الرئيس بوتين - على خلاف سلفه يلتسين - مازال يحتفظ في يده بمقاليد الأمور كيف لا والرجل كادر مجرب محنك جاء - كما هو معروف - من الصفوف الأعلى في هيئة المخابرات الروسية - كي.جي.بي - السوفيتية سابقا؟ ورغم الأقوال الشائعة وقد حملونا على تصديقها أو التسليم بها دون مراجعة أو تمحيص. أمريكا دولة مؤسسات وبالتالي فكل شئ فيها وكل قرار يصدر عن قيادتها لابد وأن يكون محصلة لعمل جماعي - فريقي - مؤسسي وبالتالي موضوعي وغير شخصي أو ذاتي الى آخر الأوصاف المطلوب منا - المحللين أو الدارسين العرب - أن نضعها من أفئدتنا موضع التصديق والمباركة والتسليم - رغم هذا كله - علينا أن نسجل أن العوامل الشخصية مازالت تلعب دورا بل ودورا مؤثرا وفعالا - إن لم يكن حاكما في بعض الأحيان - في صوغ وتشكيل وتسيير دفة السياسة الخارجية لبلد كبير مثل الولايات المتحدة. ولن نسوق الأمثلة من واقع ماكشف عنه النقاب من استسلام رئيس مثقف بل ومحنك مثل بيل كلينتون للعوامل الشخصية - إن لم يكن للضعف البشري بعيدا عن فكر المؤسسة أو الفريق أو الموضوعية. ولا من تأكيد كيسنجر ذاته حين عمد يوما الى تلخيص بعض دروس تجربته في مفاوضات الشرق الأوسط (ولا سيما تعامله مع الرئيس المصري السادات ورئيسة وزراء اسرائيل جولدا مائير) يومها قال كيسنجر مامعناه: ـ لقد ظللت أتصور (كدارس للتاريخ وأستاذ للعلوم السياسية) أن التاريخ تحركه عوامل أو قوانين موضوعية لكن بعد تجربتي المباشرة مع قيادات الشرق الأوسط أدركت أهمية العوامل الشخصية (الذاتية) في تسيير حركة التاريخ؟ عملية توزيع المناصب ويكفي أن نعلم أن أعلى مناصب السلك الدبلوماسي الأمريكي أو جانب منها على الاقل يوزع على أساس المنح والعطايا وليس على أساس الكفاءة أو توخي المصالح الوطنية للولايات المتحدة بعض هذه المناصب يقدم لشاغلها على سبيل المكافأة ورد الجميل على جهد مبذول لإنجاح فخامة الرئيس في حملته الانتخابية أو للتبرع - الطائل ولا شك - لصالح الحملة المذكورة أو الى خزانة الحزب الذي رفع بصاحب الفخامة الى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض وكم تشك الكوادر المهنية المجربة من الدبلوماسيين المحترفين الاكسلانس السفراء الذين تهدى اليهم مناصبهم - وخاصة في بلدان الكاريبي السياحية على اساس صداقتهم مع عائلة الرئيس أو نائبه أو على أساس أياديهم البيضاء التي سبق وأسبغوها على مسار الدعايات الانتخابية ولأن من ميزات النظام الديمقراطي الأمريكي تلك الميزة التي تسمى في العلوم السياسة باسم تداول - تناوب السلطة - فإن كل قادم جديد - بفعل هذا التداول أو التناوب - يأتي ومعه جماعته - شلته (بكسر الشين) كما يقول المصريون أو بالأدق عصابته - جانج كما يقول المصطلح الأمريكي المستخدم عمدا في هذا السياق بالتراث ويتألف هذا الفريق من أصدقاء الرئيس ومعارفه ورفاق طريقه وأزلام الماضي الذي عاشه حين كان مواطنا عاديا دع عنك من يسعدهم حظهم بأن تعارفوا الى المرشح الرئاسي وخدموا ضمن حملته الانتخابية فأصبحوا بعد النجاح من مستحقي العطايا التي تتنوع حسب تنوع الجهد المبذول من سفارة الى وزارة الى موقع في هذا المكتب أو ذاك من مكاتب المجمع الرئاسي في واشنطن. تحالف مع غلاة اليمين السيدة كوندوليزا رايس وصلت الى منصبها الرفيع في البيت الأبيض من خلال هذه القنوات ولكن كفاءتها - والحق يقال - سبقت حسن حظها وزادت على ذلك قربها - كما المحنا في حديث سبق - من عائلة لرئيس الجمهورية ومشاركتها الرئيس شخصيا في الشغف بالرياضة البدنية والسياحات الخلوية، لكنها - ربما بحكم شبابها النسبي - تأخذ نفسها بكل جهد لكي تراكم أكبر كم ممكن من السلطة والنفوذ بمعنى العلاقات والتحالفات. ربما تكون مشكلتنا معها - في الشرق الأوسط والعالم الثالث - إن هذه التحالفات تتم - للأسف مع غلاة الجناح اليميني في الحزب الجمهوري بخاصة وعلى المسرح السياسي الأمريكي بشكل عام وهذا هو الجناح الذي يقف معارضا لقضايا تقرير المصير في فلسطين ولقضايا حرية الشعوب في طول العالم وعرضه ويقف في الوقت نفسه مؤيدا للامعان في التسلح - في الداخل والخارج - ولتكريس دور أمريكا كقوة وحيدة أعظم لا بمعنى المسئولية عن أمن العالم وسلامة بيئة الكوكب وتحقيق الحد الأدنى من مصالح الشعوب - بل أن أمريكا لها صوت لابد أن يسمع وان يطاع. والمشكلة - توضح جين بيرليز - في بحثها المنشور في (نيويورك تايمز) عدد 1682001 ان الرئيس بوش تربطه بدوره صلات مع هذه الاتجاهات. ويبدو أن هذه الصلات مع الجناح اليمني - ويسمونه المحافظ ربما على سبيل التخفيف - قد وجدت من يصوغها في انساق فكرية لدرجة أن صنعوا منها نوعا من الفلسفة الجديدة نراها تخلط مابين عناصر القوة والعنف والحزم والغرور في آن. ولهذا تعمد السيدة رايس الى تعزيز علاقاتها مع رجل البترول في ادارة بوش وهو نائبه تشيني ورجل القوة العسكرية في تلك الادارة وهو وزير الدفاع رامز فيلد تقول الدراسة التي أشرنا اليها: ـ كانت لندن هي أول محطة توقف فيها الرئيس بوش في جولته الأوروبية الأخيرة وكانت زيارته للعاصمة الانجليزية أقرب الى الطابع الاحتفالي (البروتوكولي) ومن ثم أحتوت حفل غداء في قصر بكنجهام مع الملكة اليزابيث ومع ذلك فقد أصرت المستشارة كوندوليزا رايس على أن تقيم نفس في المبني (الملكي) الذي كان يقيم فيه رئيس الجمهورية بحيث تكون أقرب ماتكون اليه اذا ماأستجد طارئ من أحداث العالم وكانت بحاجة الى أن تضع الرئيس بوش باستمرار في صورة الاحداث كما أفضى بذلك أحد مسئولي الرئاسة وتمضي الدراسة لتقول: ـ إن ثمة علاقات تقارب فلسفية تجمع بين الاثنين معا: الرئيس ومستشارة الأمن القومي كلاهما ينطلق من موقف يوحي بانهما على استعداد لاسقاط معاهدة الحد من الصواريخ المبرمة في عام 1972 بين روسيا وأمريكا رغم أن المعاهدة تعد بمثابة حجر الأساس في منظومة الحد من التسلح ونزع السلاح حتى ولو لم ترض بذلك روسيا ذاتها. بيد أن هذا الموقف - تضيف الدراسة الأمريكية - مختلف عن موقف وزير الخارجية كولن باول الذي ينادي بنهج أكثر تحوطا وأشد حذرا - نهج يدعو الى تعظيم الجهود من أجل التوافق مع روسيا وعدم التناقض معها. ـ كل هذا ولم يحدث بعد أي معارك بيروقراطية كما يسميها سياسيو واشنطن بين مستشارية الأمن ووزارة الخارجية ولا وقعت الصراعات التنافسية التقليدية التي تنبئ نذرها بأن ثمة تغييرات على الطريق. موعد في أكتوبر المقبل لكن السيدة رايس لا تنفك تعمق صورتها وتطرح نفسها تحت الأضواء - على خلاف المعهود - تقليديا - من كبار معاوني رئيس الدولة الأمريكية وهم في التحليل الأخير أعضاء (حاشية) البيت الأبيض المفروض فيهم أن يكونوا دوما خلف الرئيس وليس بجانبه أو يكونوا في ظلال الشخصية الرئاسية، ولا يشاركونها السباحة في بحور الأضواء والاعلامية. لا يفوت المراقبين مثلا أن عدد أكتوبر القادم من مجلة (فوج) الشهيرة سوف يصدر محتويا على مقابلة صحفية مع مستشارة الأمن القومي مشفوعة - فوق البيعة - بصورة مكبرة وملونة ومزوقة بدرجات الطيف للسيدة كوندوليزا رايس شخصيا. ولا يفوتهم ايضا أنها أعلنت مؤخرا عن اعتزامها توظيف السيدة أنا بيريز للعمل في مكتبها كمستشارة لشئون الاعلام والمعروف أن الخبيرة الاعلامية المذكورة كانت هي السكرتيرة الصحفية للسيدة باربارا والدة رئيس الجمهورية وقد كانت سيدة أمريكا الأولى وعقيلة الرئيس الوالد كما هو معروف. حاشية على المتن وقد لا نغلق ملف هذا الحديث الذي نكتبه من موقع اقامتنا حاليا في نيويورك قبل أن نختم بحاشية على متن الموضوع تقول: فتش دوما عن دور البترول وأهل صناعة البترول في العلاقات والتشابكات الراهنة في ادارة بوش الحالية. أن السيدة بيريز المرشحة لوظيفة المستشار الاعلامي تعرفت على السيدة رايس مستشارة الأمن القومي حين كانت الأولى مديرا عاما للاعلام في شركة شيفرون فيما كانت السيدة رايس عضوا في مجلس ادارة الشركة البترولية المذكورة اعلاه. ـ كاتب سياسي من مصر