أذكر أنني توقفت طويلا عند جملة قرأتها للفيلسوف الألماني نيتشه، وهي جملة تقول: (نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر).. وقد حيرتني هذه الجملة التي تحتمل تفسيرات عديدة. أول هذه التفسيرات أن الذاكرة تحررنا من وطأة الحاضر، وتعود بنا الى أزمنة البراءة الوردية للطفولة السعيدة، أو للشباب النضير، فننسى في فعل التذكر جهامة الزمن الذي نعيش فيه وكآبة الأيام التي نسعى الى الفرار منها. وثاني هذه التفسيرات أن الذاكرة هي خزانة المعرفة التي يضع فيها الانسان حصيلة خبراته التي يكتسبها ساعة بساعة، بل دقيقة بدقيقة، ويظل المختزن الى أن تمتلئ هذه الخزانة بمحتوياتها، وتغدو طوع إرادة صاحبها، يستدعي منها ما يشاء من المعارف في أي وقت يشاء، فيكتسب تميزا بين أقرانه بمقدار ما يختزن من معارف، ويكتسب حرية في الاستنتاج بقدر حريته في الحركة بين معطيات الذاكرة الطّيعة التي ينطوي عليها. وبديهي أن يكون فعل التذكر في هذا السياق هو فعل تحرر بامتياز، وسواء كان المقصود هو التحرر من أسر الجهل أو من قيد الضرورة فإن هذا التحرر لا يكتمل معناه إلا في علاقته باكتشاف علاقات معرفية جديدة، علاقات تفتح من الآفاق الواعدة في عوالم الانجازات الانسانية ما يؤكد الانتقال الدائم من وهاد الضرورة الى ذرى الحرية. وربما كانت الاشارة الى اكتشاف علاقات معرفية جديدة، اعتمادا على الخبرات في الذاكرة، هي اشارة مباشرة الى علاقة الذاكرة بالابداع بكل أوجهه ومجالاته، فلا إبداع دون ذاكرة، ولا ذاكرة دون تحرر من القيود التي تظل عالقة بالنفس، مطمورة في اللاوعي كالداء الذي ينتظر الدواء، أو الأزمة التي تتطلب المواجهة، أو السؤال الذي يتطلب الاجابة، أو المشكل الذي يبحث عن حل. ولذلك حدثنا مبدعو الفنون والآداب عن الذاكرة بوصفها بئرا عميقا تغوص فيه معطيات التجارب التي نعانيها، ومحصلة الخبرات التي نكتسبها، فتتقارب صورها المتجانسة في ائتلافها، أو تدخل في علاقات جديدة تجمع بين المؤتلف والمختلف، وذلك بوساطة عمليات التفكيك والتركيب، الإحلال والإزاحة، التحويل والتوليد، وغيرها من العمليات التي يقوم بها الخيال في لحظات الابداع، أقصد الى العمليات التي جعلت الشاعر الانجليزي ستيفن سبندر يرى أن الخيال نفسه ليس سوى عمل من أعمال الذاكرة، وأن قدرتنا على التخيل هي قدرتنا على تذكر ما مررنا به من قبل وتطبيقه على موقف مختلف، فالخيال هو الذاكرة في لحظات عملها الابتكاري. وأتصور أن ديلا كروا الرسام كان يشير الى بعد مهم في هذه اللحظات عندما قال إن الذاكرة لا تبقي إلا المشاعر التي تحركنا، وأنها لا تحفظ إلا ما ينطوي على ترابطات وجدانية بأكثر من معنى، فالذاكرة لا تختزن كل شيء، وتسقط من مخزونها كل ما ليس له رصيد شعوري عندها، ولا تستبقي إلا المشاعر المؤثرة التي تتجسد في صور تمكث في قرارة الذاكرة لأنها تحمل معنى خاصا. وتظل هذه الصور المجسدة للمشاعر ساكنة، هادئة، هاجعة في أدرج الذاكرة، تنتظر الحافز المناسب كي تخرج من مكمنها الخفي، وتلج لحظة الإبداع دون استئذان، والعلاقة بين الحافز والذاكرة من هذا المنظور أشبه بالعلاقة بين المفجر والمواد القابلة للتفجير، فالحافز قد يكون كلمة، أو موقفا أو مشهدا، أو حدثا، أو جملة، أو أي شيء يثير انفعال المبدع، ويهز أعماقه التي تتفجر بمحتويات الذاكرة، أما العلاقة بين هذه المحتويات والانفعال الذي يغدو حافزا فهي أشبه بالعلاقة التي تربط بين حجر المغناطيس والمواد القابلة للتمغنط، وكما أن حجر المغناطيس لا يجذب اليه إلا المواد القابلة للتمغنط، فإن الانفعال أو الحافز لا يجذب اليه من الذاكرة إلا كل ما يتجانس وطبيعته أو صفاته، ولذلك نجد أن لحظات الحزن التي نعانيها في الحاضر، مثلا، تستدعي أشباهها في الماضي على أساس من قانون المماثلة في التداعي، لكنها يمكن في الوقت نفسه أن تستدعي نقائضها في نوع من الفرار من الشيء باستدعاء نقيضه القديم، وسواء كان الاستدعاء في دائرة المشابهة أو التضاد أو حتى المماثلة فإن دور الذاكرة التحريري يظل قائما وإن تعددت تجلياته. ومن الطبيعي أن يكتسب ناتج الابداع صفات السلب أو صفات الايجاب نتيجة صلته بالذاكرة. أذكر أن الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون قام بالتمييز بين نوعين من الانفعال في مجال الفن. الانفعال الأول عابر، كأنه رجة تقع على السطح، سرعان ما تتبدد. أما الانفعال الثاني فعميق، قوي كأنه زلزال يعصف بالأعماق، فيبقى أثره، ويمكث لا يتجزأ، ويندفع معه كل شيء الى الأمام. الانفعال الأول عاطفة تلي فكرة أو مجرد اهتزاز للاحساس بتأثير يقع على صفحته. أما الانفعال الثاني فعاطفة قوية تتولد منها حالات شعورية وعقلية تعقبها. هذا التمييز بين نوعين من الانفعال عند برجسون، وجعل النوع الثاني منبع الفن، يمكن أن يوازيه تمييز بين نوعين من الذاكرة، ذاكرة مثقوبة تسقط كل شيء ولا تستبقي أي شي لأنها قرينة إدراك كسول لا يمعن التأمل ولا يهتز للأشياء. هذه الذاكرة المثقوبة لا تبتعد كثيرا عن الذاكرة الفقيرة في محتوياتها، الذاكرة التي تكشف معطياتها عن ضآلة التجربة الحياتية لصاحبها أو صاحبتها. وفي مقابل الذاكرة المثقوبة أو الفقيرة تنهض الذاكرة الغنية، الذاكرة التي تمتلئ بالمدركات وتزدحم بالخبرات وتحتشد بالتجارب، ولا تتوقف عن الاستيعاب أو الفعل. وكبار المبدعين هم أصحاب ذاكرة غنية، حتى لو لم يكونوا واعين بدرجة الغنى الذي تنطوي عليه ذاكرتهم، ولا يسهل عليهم ابداعهم إلا لأنهم يعولون على ذاكرة مطواعة، مواتية، وذلك على النقيض من صغار المبدعين الذين لا يستحقون صفة المبدعين إلا مجازا. إن فقر مفردات هؤلاء قرين فقر عوالمهم، وفقر عوالمهم قرين فقر خبراتهم، وفقر خبراتهم قرين ضآلة محتوى الذاكرة عند كل واحد منهم. واذا خرجنا من الذاكرة الى الحياة التي هي مادتها ومحركها ودافعها، قلنا إن وفرة التجارب الحياتية مسألة بالغة الأهمية للمبدع، فأخص خصائص المبدع أنه كائن يحتسي الحياة، يلتهم كل معرفة متاحة، ويقبل على كل تجربة ممكنة، يعيش حياته بالعمق وبالطول وبالعرض، لينفذ الى اسرارها الخفية، وينقب في تجارب البشر وتجاربه هو ليكتشف المعنى والمغزى. وبقدر غنى تجاربه الحياتية تتحدد درجة الغنى في تجاربه الفنية. ولا تقتصر التجارب الحياتية على ألوان التعامل البشري المختلفة، ماديا أو معنويا، وإنما تمتد لتشمل ألوان التعامل المعرفي مع الأفكار والمذاهب والكتابات، وألوان التعامل الوجداني مع ابداعات الفنون، وكل ما يتصل بذلك الكون الهائل الذي يريد المبدع أن يختزله في حضوره الانساني الفرد والفريد.. ولولا ذلك ما قال الشاعر القديم: أتزعـم أنـك جـرم صغـير وفيـك انطـوى العـالم الأكبر إن وفرة التجارب الحياتية هي المادة التي يعيد تشكيلها المبدع عندما يستدعيها من ذاكرته، أو عندما تقوم ذاكرته بفعلها الابداعي الذي هو فعل للخيال بامتياز. ونظرة الى أعمال كتاب من طراز نجيب محفوظ أو شكسبير أو جيمس جويس أو هيمنجواي على اختلاف أزمنتهم وعصورهم تكشف عن ثراء العوالم التي تقوم عليها هذه الأعمال، والتعدد المذهل لأنماط الشخصيات المتعارضة والمتقابلة والمتباينة والمتوازية. والسر في هذا التنوع والتعدد والثراء هو وفرة التجارب الحياتية، أو وفرة محصول الذاكرة التي صهرتها نار الخيال الفريدة، وصاغت من المعطيات القائمة صورا جديدة لا وجود لها من قبل. وأحسب أن الجملة الأخيرة تكشف لنا عن أنه ليس من الضروري أن يتحدث كاتب الرواية عن شخصيات فعلية عرفها بالفعل، أو أن يكون الكاتب يكتب عن نفسه تحت قناع هذه الشخصية أو تلك، فالخيال الابداعي يعين الكاتب على الابتكار، ويأخذ من عشرات الصفات المختزنة في الذاكرة ما تتركب به هذه الشخصية التي لا تتطابق مع أحد بعينه إلا كما تتطابق البذرة مع الشجرة أو العكس. ولقد صاغ خيال نجيب محفوظ شخصيات متصوفة ومشايخ أشرارا وأخيارا ولصوصا وقوادين وأبطالا وطنيين وأجيالا متعددة متنوعة من الرجال والنساء، لا يجمع بينهم وبين الحياة التي جاءوا منها سوى الخيال الذي استولد من الذاكرة تراكيب صور جديدة، وضم هذا الملمح القديم الى ملمح حديث يجاوره في الذاكرة، وتذكر بتضاد هذه الواقعة واقعة كاشفة، وهكذا.. الى ما لا نهاية له من عمليات التركيب والإنشاء التي تخلقت بها شخصيات حميدة وزبيدة وزنوبة ونور والهام وزينب ونبوية وعشرات غيرهم من نساء روايات نجيب محفوظ. وبالطبع ليس من الضروري أن يكون المصدر في كل الأحوال هو تجارب الحياة التي عاناها المبدع، فهناك تجارب الفن، مئات أو آلاف الروايات التي قرأها نجيب محفوظ مع مئات الأعمال الأدبية التي ترسبت في ذاكرته، واستقرت هناك، جنبا الى جنب مع معطيات التجارب الحياتية، وتناغمت مع غيرها، وتفاعلت في لحظات الابداع التي خلق بها نجيب محفوظ روائعه التي هي ملك له وملك لغيره في الوقت نفسه.. ملك له بالإبداع، وملك لغيره من حيث المعطيات الأولية أو المادة الخام التي لا قيمة لها إلا بعد أن يصهرها اللهيب الخالق لذاكرة ثرية تعمل كأنها الخيال، أو يعمل فيها الخيال كأنها هي هو أو كأنها إياه. ولكن الذاكرة لا تلعب دورا أحادي البعد في كل الأحوال، فإن دورها له تجليات متنوعة في الابداع، ولا مجال لحصر هذه التجليات في هذا الحيز المحدود، لكن من الممكن الوقوف عند مجلي منها، وهو المجال الذي تمارس فيه الذاكرة عمل المرآة التي يتأملها المرء ليعرف نفسه، ويحدث ذلك عندما يواجه المبدع نفسه مباشرة، في فعل تذكر ذاتي، فيما نسميه السيرة الذاتية أو حتى الرواية الذاتية، وفي هذا النوع من الأعمال يواجه وعي المبدع حضوره، سواء على مستوى فهم اللحظات الماضية في تحولاتها الحاسمة، أو اللحظات الحاضرة في حديه خطوطها الفاصلة، تؤدي الذاكرة دورا معرفيا يتصل بالكيفية التي يجتلي بها الوعي وجوده أو حضوره، سواء على سبيل المراجعة لزمن من أزمنة الماضي كما فعل طه حسين في كتابه (الأيام) أو توفيق الحكيم في (يوميات نائب في الأرياف) أو على سبيل المواجهة لحاضر متوتر في امتداده الذي يصل الذات بأصل قوتها في تاريخها الحي كما فعل لويس عوض في (أوراق العمر) وجمال الغيطاني في (الخطوط الفاصلة). والتاريخ الحي في هذا السياق هو ما تعكسه الذاكرة على صفحتها كما تعكس المرآة الصورة التي تقابلها، وذلك لكي يتأمل وعي المبدع حضوره المتوتر فيما تعكسه صفحة الذاكرة بشروطها الخاصة، والهدف هو البحث عن المفاتيح التي تفتح للوعي مغاليق حياته في لحظة تأملها، سواء في التباسها الذي يسعى المبدع الى الكشف عن حقيقته، أو في حديه حياته التي تجمع بين الأضداد. والمهم في هذه الحالة أن يظل وعي المبدع متطلعا الى مرآة الذاكرة في هذه التجربة المعرفية، مستعيدا ترابطاتها، متأملا علاقتها، الى أن يكتمل له إدراك المعنى أو المغزى الذي كان يبحث عنه، والذي ما كان يمكن له أن يكتشفه إلا من خلال فعل التذكر الذي هو فعل تحرر حتى في هذا المجال.