أظن لو عاد جحا إلى الحياة في زماننا لوقع في حالة من الذهول والدهشة التي تعقد لسانه وتلزمه الصمت دهراً، واكتشف ان مفارقاته الضاحكة والساخرة، مجرد مداعبات مبتديء يعجز عن مجاراة تلاميذ مدرسة «عاشور» في اوساط ادعياء الثقافة ممن ينتمون «زيفا» إلى حملة القلم من الصحفيين. فقديماً كان العرب يضحكون من جحا عندما صعد المنبر خطيبا، بعدما تغيب الداعية اضطرارا، ولم يجد ما يقوله سوى، القاء السلام، وختام الخطبة، دون التطرق لأي موضوع، زاعماً، ان ما يقوله هم يعرفونه، وان كانوا يجهلونه، فلا فائدة من القول! اما في زماننا، فتصدمنا جرأة الادعياء الذين يختلقون تاريخا مزيفا، في محاولة لخلق وتسويق صورة «المثقف» التي يفتقرون لأدواتها، ولا يجرؤون على اداء دورها، والالتزام بواجبها، فتراهم يسرفون في الزج بأسماء لامعة ملتزمة وينسجون حكايات وهمية عن علاقتهم بهم، ويضعون انفسهم في موقع ريادي يحق لهم تقييم مسارهم، ويسرفون في الاكاذيب، ويظهرون تقديرا ملغوما بالغمز واللمز في سيرهم، وهم في الحقيقة يجهلون حقيقة ما يتحدثون عنه، تحت وطأة سرعة الانتحال واستنساخ مواقف ليست لهم. واحيانا، يمعن الادعياء من مدرسة «عاشور» وعذرا للمخرج السينمائي شريف عرفة والنجم الكوميدي علاء الدين، في التعيش والاتجار باسماء الراحلين من المثقفين الملتزمين، الذي أفنوا زهرة شبابهم من اجل الحلم بمشروع عام، واحرقوا قدراتهم وذواتهم من اجل حلم بغد افضل لمجتمعهم وشعبهم، غير عابئين بما يلحق بهم من اذى، فلقد نذروا أنفسهم فداءً لوطنهم، وتخلوا عن مشروعهم الفردي، بل لم يعرفوا اصلا الفارق بين الفردي والعام، فلقد تشبعوا بقيمة انه لا خلاص للذات سوى بنهوض وتحرر الوطن، ونهوض المجتمع وشيوع العدل، واستوطنت نفوسهم غريزة تحتقر المكسب الفردي لو جاء على حساب التفريط في المشروع العام، وتعمقت لديهم قيمة المسئولية عن مصير الانسانية، فتساموا على النوازع الانانية التي استفحلت في عصر العولمة والمتاجرة بكل شيء. صحيح، ان خطيئة الادعاء، واختلاق المواقف، قديمة، ولها رجالها الذين يتوارثونها، دون خجل، وتلتصق عادة بنوعية من الادعياء المجردين من كل قيمة انسانية، ويحركهم فقط، دافع بوهيمي للوجود، والصعود حتى لو كان على جثث الموتى، ولا يطرف لهم جفن عندما تداس الحقيقة، او يضبطون متلبسين بالكذب. على أن ما يجري في أيامنا هذه فاق كل ما سبق من ميراث الادعياء والهُمّل، الذين يجترئون على الكمّل من اصحاب المبادئ، ولهذا لم أفاجأ عندما استمعت لشكوى من مثقفة ملتزمة وكاتبة تذهلك بحرصها ودأبها على الامساك بميزان العدل حتى وهي في قمة خلافها معك، وتفضل تحمل الظلم على ان تظلم غائباً. ولم اذهل، عندما وجدتها تشتعل غضباً من أجل صديقة غيبها الموت، واجترأ احد الادعياء على جعلها مادة ينسج منها لنفسه تاريخاً مزيفاً!