الآن جاء دور «عرب اسرائيل» لتدشين مسلسل من العمليات الاستشهادية التي تجعل رب كل اسرة اسرائيلية يلعن اليوم الذي قدم فيه هو أو أسلافه الى الدولة اليهودية. لقد تضمنت مجموعة العمليات الاستشهادية الفلسطينية التي وقعت متتابعة خلال يوم واحد هذا الاسبوع، عملية هي الاولى من نوعها من وجهين: أولا انها اول عملية تنفذ في مدينة نهاريا الاسرائيلية.. وثانيا، وهذا هو بيت القصيد، ان الاستشهادي ينتمي الى الاقلية العربية المقيمة داخل الحدود الاسرائيلية نفسها. وعلى هذا النحو تبدو هذه العملية الفريدة الخطيرة وكأنها تنطوي على رسالتين في آن معا: رسالة الى ارييل شارون ورجال حكومته واليهود الاسرائيليين كافة، بأن سياسة البطش الدموي المنهجي تؤدي عوضا عن تحقيق الأمن للمجتمع الاسرائيلي الى توسيع نطاق المقاومة الفلسطينية البطولية. ورسالة الى القادة العرب بأن يكفوا عن قول «السلام خيارنا الاستراتيجي». من أول وهلة لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر من العام الماضي ووجهت بقمع وحشي لا يعرف هوادة من قبل حكومة الجنرال باراك حيث تعامل معها كحالة حرب كاملة. ورغم خسارة باراك الانتخابات العامة التي جرت بعد بضعة شهور فان هناك جنرالا اخر عرض نفسه على جمهرة الناخبين الاسرائيليين باسلوب المزايدة. وانطلاقا من هذا الاسلوب وعد شارون وتوعد: وعد الاسر الاسرائيلية بأنه هو القائد الوطني الاوحد القادر على توفير الامن الشخصي والجماعي للمجتمع اليهودي.. وتوعد الفلسطينيين بالويل والثبور وعظائم الامور. وبالطبع لا يخفى ان الوعد والوعيد مرتبطان برابطة السببية. على هذا النحو راهن شارون على «الخوف» الفلسطيني دون ان ينتبه الى ان الخوف في مثل هذه الحالة ليس الا احد احتمالين: فالغضب احتمال اخر. وبعد بلوغ المقاومة الفلسطينية الآن شهرها الثاني عشر، فان مما لا شك فيه ان الجنرال شارون يتأمل الآن ذلك الخسران الذي آلت اليه حساباته الحربية والسياسية. عبر هذه الشهور الطويلة اتضح ان الشعب الاسرائيلي يألم أكثر مما يألم الشعب الفلسطيني. ورغم ان الجنرال شارون لم يوفر استخدام اي سلاح في الترسانة الاسرائيلية ـ عدا السلاح النووي ـ فان معاونيه العسكريين والسياسيين لابد ان يكونوا قد لاحظوا ان الفلسطينيين، عوضا عن ان يزدادوا خوفا ظلوا يزدادون غضبا. ومنذ هذا الاسبوع وحتى اشعار اخر فان القادة الاسرائيليين من عسكريين وسياسيين سوف يعرفون هاجسا مرعبا من نوع جديد: ذلك ان لهيب المقاومة امتد الى «عرب اسرائيل» ـ تلك المجموعة السكانية داخل اسرائيل التي تشارك الاسرائيليين العيش في رقعة ارض واحدة. هذا هو مغزى العملية الاستشهادية التي نفذها قبل بضعة ايام محمد حبيشي في مدينة نهاريا: ذلك الرجل البالغ من العمر 48 عاما والذي كان احد ابناء قرية «عربية ـ اسرائيلية» تقع بين مدينة نهاريا في الشمال ومدينة عكا في الجنوب. ومن مفارقات القدر ان هذه العملية الاولى من نوعها تتزامن مع انكباب شارون وكبار معاونيه على دراسة خطة تتضمن تدابير بفصل الضفة الغربية عن اسرائيل، باقامة مراكز عسكرية بطول «الخط الاخضر» الذي يعتبر خطا حدوديا غير رسمي، ومعنى هذا انه بينما ينحصر تفكير شارون في اغلاق اسرائيل على نفسها جغرافيا، تأتي عملية نهاريا الاستشهادية كتذكرة مرعبة للاسرائيليين جميعا بأن هناك وجودا فلسطينيا اخر داخل اسرائيل المغلقة. وهذا هو احدث معنى للمثل العربي: «يؤتى الحذر من مأمنه». احمد عمرابي