يحتل موضوع التدهور البيئي اليوم حيزا كبيرا من الاهتمام، نظرا لما ينطوي عليه هذا التدهور من تهديد خطير لمستقبل الارض. ولاشك ان مهمة حماية البيئة يجب الا تقع على عاتق المسئولين والمختصين الفنيين فحسب، وانما لابد ان يسهم بها ايضا المواطنون العاديون الذين كثيرا ما يلحقون الاذى بالبيئة، عندما يلقون الاوساخ او يقطعون الاشجار وحتى يتمكن هؤلاء من الاطلاع بهذا الدور عليهم ان يتسلحوا بالمعلومات الاساسية ويتزودوا بالثقافة المناسبة الخاصة بالبيئة. ولكي نلقي بعض الاضواء على مستلزمات مثل هذه الثقافة ومراميها رأينا ان نستعرض اهم الافكار التي وردت في كتاب جديد بعنوان «مقدمة في الثقافة البيئية» وهو يهدف الى توفير اطار عام مع تفصيلات وافية بشأن المفاهيم والمباديء البيئية الجوهرية وذلك بطريقة علمية منهجية تستند الى التوثيق وايراد المراجع. ويرى مؤلفو الكتاب، وهم الدكاترة فياض سكيكر ومحمد سليمان وناظم عيسى، ان الثقافة البيئية ضرورية من اجل تحقيق رؤية نظامية شمولية متكاملة وبناء مجتمع مثقف بيئيا ويتم الحصول على هذه الثقافة بوساطة التربية النظامية ووسائل الاعلام والكتب. باديء ذي بدء يهتم الكتاب بالعلاقة بين الانسان والبيئة مبينا ان الانسان بنشاطاته الاقتصادية والحياتية يؤثر في البيئة وهو عندما يستغل الموارد الطبيعية في عملية الانتاج استغلالا غير محدود رغم محدودية هذه الموارد انما يعمل على نضوب المواد الاساسية اللازمة لاستمرار حياته. وبذلك فان نشاطاته الاستنزافية التي تضر بالبيئة وبمستقبل الارض تنعكس في نهاية المطاف على مصلحته هو. وهناك عدة وجهات نظر بشأن علاقة الانسان بالبيئة منها وجهة النظر الحتمية التي نادى بها سيمبل وهنتدون والقائلة بان الانسان خاضع للبيئة ومقيد بها. وفي مقابل ذلك هناك نظرة تعد الانسان سيد الطبيعة والمسيطر عليها وبين النظرتين، تقع وجهة نظر توافقية ترى ان الانسان مكون مهم من مكونات الطبيعة، وانه يتكامل ويتفاعل معها وفقا لعلاقة تكافلية وغير قمعية، ومن القائلين بذلك هاجيت الذي يعد التلازم بين الانسان والبيئة بمثابة علاقة تغذية راجعة. ويتعرض الكتاب الى ما يسمى (بالنظام البيئي) الذي يعرفه المؤلفون بانه مجموعة العناصر التي تتفاعل وظيفيا، بعضها مع البعض الآخر، داخل بيئة او مكان معين مما ينتج عنه تدفق في الطاقة وتبادل في المواد وهذه العناصر تتألف من مكونات حية ومكونات غير حية ومن الامثلة على النظم البيئية البحيرات والغابات والبحار وكل منها يمثل بيئة منفصلة وقائمة بذاتها وتتسم بصفة اساسية هي التوازن وهو يعني قدرة النظام على المحافظة على حالته الاصلية بعد اية صدمة خارجية اي قدرته على الاستقرار والمرونة والتكيف مع الضغوط المفروضة. واول من اقترح مفهوم النظام البيئي هو العالم البريطاني آرثر تانسلي في عام 1935. ومن الظواهر الاخرى التي عالجها الكتاب الدورات الطبيعية في النظام البيئي مثل دورة الماء ودورة الاوكسجين ودورة الكربون ودورة النتروجين. كما انه تعرض للمغذيات والكيميائيات في النظام البيئي مثل الازوت والفوسفور والكالسيوم والمغنزيوم والكبريت وغيرها. ويعرف المؤلفون في فصل خاص، الغلاف الحيوي بانه المكان الذي يوجد فيه نشاط للكائنات الحية او اي شكل من اشكال الحياة، وهو يشمل اجزاء واسعة من الغلاف الجوي والغلاف المائي والغلاف الصخري، ويشكل غطاء متجددا من الكائنات الحية. ويعدد الكتاب مشكلات النظام البيئي وطرق صيانته، مثل استغلال الغابات بشكل علمي سليم وتعيين حراس لها واتباع اسلوب المحميات الطبيعية في ادارتها كما يتصدى لمسألة التلوث البيئي الذي ارتبط حديثا بعصر الثورة الصناعية في القرن العشرين، مبينا ان التعريف العام لهذا التلوث هو: اما تعريفه العلمي فيتلخص في: «حدوث تغير وخلل في النظام الأيكولوجي للبيئة يشل فاعلية هذا النظام ويفقده دوره الطبيعي في التخلص من الملوثات، ولاسيما العضوية منها»، ومن التعاريف الاخرى ان «التلوث هو كل تغير كمي او كيفي في مكونات البيئة الحية او غير الحية، مما لاتقدر البيئة على استيعابه دون ان يختل توازنها»، وقد يصيب التلوث المجال الحيوي الجوي او المائي او الارضي ولاننسى ايضا التلوث بالضجيج. ويعالج المؤلفون موضوع الموارد الطبيعية، مبينين ان الاستهلاك الزائد لهذه الموارد، يدمر الارصدة البيئية اللازمة لاستمرار الحياة، وبتعبير آخر، فان الموارد الطبيعية من حيوانات ونباتات وهواء وماء وغلاف صلب، يتم استغلالها الآن بطريقة تفوق قدراتها التعويضية او التجديدية. والسبب في ذلك ان الانسان لم يتعلم بعد كيف يعيش ويتعايش مع الظاهرة التي لايمكن تعويضها وهي الغلاف الحيوي المتمثل بالقشرة الرقيقة من الكرة الارضية التي تضم عناصر الحياة ومقومات وجودها واعالتها، وبالنسبة للموارد الطبيعية القابلة للتجدد، مثل الماء والهواء يبين الكتاب ان العبرة في الكيف لا الكم، وان المهم الحفاظ على النوعية الجيدة، بمعنى ان هناك مثلا، كميات هائلة من المياه في العالم، ولكن النقص هو في المياه العذبة، وكذلك الحال بالنسبة للهواء الذي ينقصنا منه الهواء النقي الخالي من التلوث اما بخصوص الموارد غير القابلة للتجدد مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم والحديد، فان كميات المواد المستعملة منها في الانتاج او الاستهلاك بمختلف اشكالهما اكبر من الكميات التي يمكن للطبيعة ان تعيدها ثانية في الفترة الزمنية نفسها. ويتعرض الكتاب لمفهوم الامن البيئي ويعرفه بانه يمثل اجمالي التأثيرات والعمليات المباشرة او غير المباشرة التي يقوم بها الانسان والمجتمع البشري دون ان يؤدي ذلك الى احداث اضرار بالبيئة او التهديد بحدوث مثل هذا الاضرار في المستقبل، ومن غير تعريض توازن البيئة للخلل او التشوش، وهناك امن بيئي قومي ومائي وصحي ونووي الخ، ومن القضايا الاخرى التي اهتم بها المؤلفون «التربية البيئية» وهي مفهوم حديث نسبيا وبرز نتيجة تفاعل مفهومي التربية والبيئة وهو اليوم يشكل اتجاها وفكرا وفلسفة، ويهدف الى تكوين الافراد الواعين بيئيا ومساعدتهم على اتخاذ قرارات في اثناء تعاملهم مع بيئاتهم المحلية. ومن الموضوعات الاخرى التي يتناولها الكتاب بالدراسة مدخل النظم في التربية البيئية واساليب تطبيق هذه التربية في مختلف مراحل التعليم وكذلك تقاناتها المستخدمة والعلاقة بينها وبين وسائل الاعلام الجماهيرية. وهكذا نجد ان الكتاب الذي استأنسنا ببعض افكاره، يعالج قضايا بيئية معاصرة، ويتوخى احدث التطورات التي تشق مجراها في هذا المجال، ويعالجها بطريقة علمية ومنهجية وموثقة، على الرغم من ان عنوانه يوحي بأنه كتاب مدرسي يتصدى للمباديء والمفاهيم الاولية للبيئة. وبينما نجد كثيرا من الكتب الاخرى تورد مصطلحات ومفاهيم غامضة دون ان تشرحها، مفترضة ان القاريء يعرفها فان الكتاب يعرف كل مصطلح او عبارة فنية، مما يعني ان المختصين العلميين والبيئيين وكذلك المثقفين العاديين على حد سواء يستطيعون الافادة من هذا الكتاب الذي لايكتفي بتعريف الاسس الاولية في علم البيئة وانما يتجاوز ذلك الى معالجة احدث النظريات والفرضيات البيئية ولكن المؤلفين استعملوا احيانا عبارات تبدو غير مناسبة ومن ذلك استعمال عبارة (الغلاف الحيوي) وربما كان من الافضل استخدام عبارة (المحيط الحيوي) بدلا منها كما وردت كلمة (عناصر) في تعريف النظام البيئي مع ان العنصر يشكل مفهوما كيميائيا وقد يكون من الاصح استخدام كلمة (مكونات) عوضا عنها. ومن جهة ثانية، فان الكتاب كغيرة من كتب البيئة يقتصر على تقديم المعلومات النظرية الخاصة بحماية البيئة، دون ان يرسم طرق السلوك البيئي اليومي، او يقترح برنامجا يمكن تطبيقه في الشارع او المصنع او المدرسة. وللحق نقول ان المؤلفين يقرون بهذه الثغرة في مقدمة الكتاب وعلينا ان نلاحظ ان المعلومات البيئية تتطور بسرعة كبيرة تفوق ما يتم في المجالات الاخرى، نظرا لان علم البيئة حديث نسبيا وهو آخذ بالنمو، لذلك فان المعلومات التي يقدمها الكتاب قد تتقادم بعد سنوات ولكن هذا امر يمكن الدفاع عنه لان تقادم المعلومات ليس خاصا به بل انه من سمات اي كتاب آخر. ونستخلص من كل ما سبق ان الثقافة البيئية اصبحت اليوم من اكثر الثقافات اهمية، وهي لم تعد ضرورية للمختصين الايكولوجيين وحسب، وانما للمثقف والرجل العادي ولكل من يهمه سعادة كوكبنا الارضي الذي بات يئن تحت وطأة اخطار البيئة اللامتناهية. ـ كاتب سوري