(1) فيما عدا القليل.. الفرق بين صحافة الامس وصحافة اليوم ان صحافة اليوم تطبع لتبيع ما تطبع وصحافة الامس تطبع ما لا تبيع. (2) فيما عدا القليل.. الفرق بين مدرس الامس ومدرس اليوم ان مدرس الامس كان يدرس وهو مقتنع تماما انه الرائد الاول الذي لا مثيل له في مجتمعه، فهو يدرس وعينه على الاجيال التي ستتخرج على يديه في المستقبل فهو صانع الاجيال، أمّا مدرس اليوم فإنه يدرس وعينه على ما حوله ومن حوله ممن أصبحوا رواداً بلا ريادة واعلاماً بلا علم. (3) فيما عدا القليل.. الفرق بين كثير من الحاصلين على درجة الدكتوراه اليوم والحاصلين عليها بالامس ان الحاصلين عليها بالامس مضافون الى «الدال» أما الحاصلون عليها بالامس «الدال» مضافة اليهم وهناك فرق بين المضاف والمضاف اليه. (4) فيما عدا القليل الفرق بين مطربي الامس ومطربي اليوم ان اولئك كان يغنون بأفواههم وهؤلاء يغنون بأجسادهم واقدامهم. (5) فيما عدا القليل الفرق بين اسفار الامس واسفار اليوم ان اسفار الامس اكثرها كان بحثاً عن الخمس فوائد في قول الشاعر: «تفرجُ همٍ واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجدِ». اما اسفار اليوم الصيفية بالذات فهي سداد لفوائد البنوك بعد عودة المسافرين. (6) فيما عدا القليل.. الفرق بين شعراء الامس وشعراء اليوم ان شعراء الامس كانوا يكتبون شعرا يتمنى ان يقوله اهل النثر وشعراء هذا اليوم يقولون شعراً يتبرأ منه النثر نفسه. اذاعات في احدى اذاعاتنا المحلية لك ان كنت متضايقا لا تجد من يسليك في هذا الليل الطويل ايها المراهق ان تتصل ببرنامجك الرائع الذي يذاع حتى قرابة نصف الليل فترد عليك مذيعة رقيقة الصوت تقول لك مرحبا أهلا وسهلا ماذا لديك، ولك ان تقول لها ما شئت من عبارات الغزل الرقيقة التي تحلو في آخر الليل ولكن بشرط ألا توجه لها العبارات هكذا بصراحة ولكن لك ان تبحث عمن يجيد الوزن والقافية من اشباه الشعراء الشعبيين فيصوغ لك عبارات الغزل مقفاة موزونة لتلقيها على مسامع تلك المذيعة في ذلك الليل الصيفي الرطب فتشكرك المذيعة على ما قدمت فيرتاح قلبك ويهدأ بالك. وعجبا لبعض اذاعاتنا كيف تطورت حتى اصبحت خدماتها العاطفية تمتد حتى آواخر الليل، انها اذاعات رائدة في عوالم خدمة العملاء فهي تنتهج مناهج الادارة الحديثة لانها تسعى ليس فقط لارضاء عملائها بل الى اسعادهم سعادة لا يحلمون بها. وان احد اولئك المراهقين في آخر الليل اتصل بالمذيعة يرقق صوته الاجش.. ليشكرها على برنامجها الرائع ثم يلقي على مسامعها قصيدته العصماء التي وضع فيها عواصم العالم ومدنها تحت يدها وامرها فإنه على استعداد ان يسوق لعينيها القاهرة وجدة ودمشق وطهران، بل وباريس وامريكا فهو يستطيع ان يفعل ما لم يفعله غيره في هذا الزمان. والمذيعة المسكينة تسمع ولما انتهى تشكره على قصيدته الجميلة وهو يكاد ان يقفز عبر موجات الاثير فرحاً بذلك الاطراء ويقول انها مهداة لأعز الناس فلما قالت له ارجو ان تصل الى من تريد وانهم يسمعونك يقول «انها على الخط على الخط» «وافهمي ياذكية». ـ ـ ـ والحقيقة ان ذلك من عجائب الاذاعات التي لا تعرف ماذا تريد وكيف تخدم الناس ولا تعرف رسالتها وتعتقد ان رسالتها التنفيس وليس التثقيف فتتيح لمن هب ودب ان يسمع صوته لصُويحباته عبر الاثير. النموذج من يطالع كثيرا من قنواتنا الفضائية يجدها تدعي الحرية في التعبير والرأي وهي في الحقيقة لا تطرح من جهتها إلا نموذجا واحدا تؤمن به هي تفرضه شئنا أم أبينا على ابنائنا وبناتنا بقوة لا نملكها نحن، ذلك هو النموذج العربي الذي يلبس لباس الغرب ويتصرف تصرفاتهم ويتكلم بطريقتهم ويمارس هواياتهم، كل ذلك بأسلوب شيق مرح جميل ملون في صورة مقدمة البرنامج اللعوب والمطربة «الشقية» والمطرب «الشاب» والاغنية الشبابية وذلك في مساحة من الوقت وتكاد تشغل ما نسبته 95% من وقت الارسال اليومي البالغ 24 ساعة فاذا اتاحت بدعوى الحرية الوجه الآخر الذي يمثل مجتمعاتنا الاسلامية والعربية اوردته في شكل عالم دين يجلس على كرسيه يتلقى الاسئلة ويفتي الناس وفي صورة فلاح فقير غائص في الوحل والطين والفقر حتى اذنيه وصورة برنامج وثائقي قديم رصين اللغة جامد الصورة. كل ذلك في وقت لا يجاوز 5% من مدة الارسال. فأين العدل والعدالة والحرية والموضوعية في تقديم النموذج؟