معركة النصوص الكلامية غير الملزمة لأي طرف هي أدنى درجات المساجلة الدبلوماسية. ومع ذلك فإن الدول العربية فشلت في احراز انتصار متواضع في حرب الكلمات المجردة التي دارت على مدى تسعة ايام في مؤتمر دوربان الدولي لمكافحة العنصرية. وربما يصح ان يقال ان العرب حققوا انتصارا حاسما ومدويا في التجمع العالمي للمنظمات الشعبية الذي عقد اجتماعاته جنبا الى جنب مع مؤتمر الحكومات في دوربان، ولكن حكومات الوطن العربي ليس بوسعها ان تنسب لنفسها الفضل في هذا الانتصار.. فالفضل يعود الى ملحمة الانتفاضة الفلسطينية التي فرضت قضية العرب على العالم فرضا. لقد اقبل ممثلو الحكومات العربية على هذه المناسبة التاريخية التي جسدت اول تجمع دولي من نوعه لمكافحة العنصرية عالميا، وهم كالعادة قد وطنوا انفسهم على بذل تنازلات مجانية في وجه اي ضغط تمارسه الولايات المتحدة وحكومات الغرب الاخرى لصالح اسرائيل. ومع دوران جلسات المؤتمر الرسمي كانت غالبية الدول العربية تخفض سقف مطالبها درجة بعد درجة. وحتى قبل ان يبدأ المؤتمر اعماله رسميا كانت مجموعة الدول العربية ومعها المجموعة الاسلامية قد توافقت على ورقة مشتركة حذفت منها اي اشارة الى «مساواة الصهيونية بالعنصرية». هذا التنازل المبدئي، حتى قبل ان تبدأ معركة الكلمات في قاعة المؤتمر كان من افكار اولئك الذين يعتبرون انفسهم «واقعيين» او «معتدلين». لكن هذا التخريج لم يكن منطلقا من قناعة ذاتية بقدر ما كان استجابة خفية لضغوط امريكية وأوروبية من وراء الكواليس. نيابة عن الغرب قال ممثلو «الواقعيين» لاخوانهم: دعونا نركز فقط على ممارسات اسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني الشقيق مع تحاشي ربط الصهيونية مع العنصرية، وبذلك نؤكد لكم اننا نضمن تأييد الدول الغربية. لكن كما اتضح لاحقا فإن المندوبين الغربيين عارضوا بشراسة اي اتجاه لالحاق اي ادانة للدولة اليهودية حتى لو خلت هذه الادانة من دمغها بالتمييز العنصري.. حتى شجب الاحتلال الاسرائيلي للأرض الفلسطينية كاحتلال اجنبي رفض رفضا عنيدا. ان الحكومات العربية لم تكن بحاجة الى «اقناع» بأن خضوع مؤسسات الحكم في الغرب لسلطان الحركة الصهيونية العالمية بات من بدهيات الواقع الدولي المعاصر. ومن المفترض انها تدرك ايضا ان حكومات الغرب لا ترى سببا وجيها لمقاومة السلطان الصهيوني الاخطبوطي، وبالتالي مخاصمة الدولة الاسرائيلية اليهودية، طالما ظلت أنظمة الحكم العربية اشد حرصا على رعاية المصالح الحيوية للغرب من الغرب نفسه. وما تجدر استعادته في هذا السياق انه اذ اعتبر ممثل احدى الحكومات العربية انسحاب الولايات اتلمحدة من مؤتمر دوربان امرا مؤسفا بينما كان المؤتمر في وسط الطريق، فإن هذا المسئول سارع على الفور الى القول بأن الولايات المتحدة «لا تزال دولة صديقة». وهكذا انزلقت الحكومات العربية على طريق التنازلات المتداعية الى ان انتهت الى قبول بيان ختامي بلا طعم او رائحة، لا يتضمن كلمة واحدة مباشرة او ضمنية يمكن ان تنعت اسرائيل بمنطق تسمية الاشياء بمسمياتها الصحيحة. وهكذا انفض تجمع دوربان العالمي بشقيه الى مفارقة: بيان حكومي سوف يدخل التاريخ كواقعة استهزائية بالأمة العربية.. وبيان شعبي ينتصر للأمة العربية، وفي الوقت نفسه يسم دولة اليهود ـ للمرة الأولى من نوعها ـ بالاجرام العنصري والابادة الجماعية والتطهير العرقي. نعم للمرة الأولى.. والفضل يرجع للمقاومة الفلسطينية الباسلة وحدها. ولولا ان ذلك البيان المدوي للمنظمات الشعبية العالمية فرض حركة كابحة على الاندفاع الغربي لصالح اسرائيل، لربما خرج مؤتمر دوربان الرسمي بإدانة «للارهاب الفلسطيني».. بموافقة عربية حكومية! أحمد عمرابي