أشار الزميل الفاضل محمد العوضي من الكويت في احدى مقالاته الى كتاب من عيون التراث العربي لا أعرفه ولم اسمع به من قبل، رغم ما يعلمه الله من شغفي بأمهات ثقافتنا الاسلامية، وهذا الكتاب كأنه موضوع اليوم وهو مضى على تأليفه ألف عام وتزيد. عنوانه «كتاب المتوارين» اي اولئك العلماء الذين تواروا واختاروا المنفى أيام سلطة وبطش الحجاج بن يوسف الثقفي، كتبه الامام الحافظ عبدالغني الازدي المتوفي سنة 409هـ. ويضم الكتاب أخبار مشاهير الفقهاء وأهل الرأي الذين هربوا من بطش الحجاج، امثال الحسن البصري وسعيد بن جبير وابراهيم النخعي والاغمشي وسواهم ممن ضربوا في الارض وهاموا على وجوههم حتى احتضنتهم ديار «ارحم بهم واواهم ملوك وامراء اجل لعلمهم، ولكن بعض هؤلاء لم يحظ بالبديل فتوفاه الله سبحانه في الفاقة والحاجة والضيق». وعندما علمت بهذا الكتاب سعيت للبحث عنه ولعل بعض القراء الافاضل جزاهم الله خيرا يعثر عليه فيدلني اليه، وهو كتاب يصلح للقرن الحادي والعشرين على الصعيد العربي الاسلامي وينطلق بمأساة آلاف المتوارين المعاصرين، كأن التاريخ يعيد نفسه باصرار واضح مع اختلاف الوسائل والجزئيات. المصالحة الحضارية فالعصور الذهبية الاسلامية لم تنجز ما انجزته منذ فجر الاسلام الى عهد النهضة الا بالمصالحة الحضارية بين أهل الامر وأهل الفكر، فقد كان ـ ولايزال البعض من الملوك المسلمين يحيطون انفسهم ويملأون مجالسهم بنخبة العلماء وخيرة العلماء وزبدة النصحاء، واذا شذ عن تلك القاعدة الاسلامية نفر من الحكام مثل الحجاج فان تلك المعادلة السياسية تنخرم ويدب الوهن في اوصال الدولة، حتى ولو ظن الممسكون بالأمر انهم في منعة وقوة وهيبة بينما هم في الواقع في مهب الريح لا يحيط بهم الا منافق او كاذب او مادح، في غياب الرأي الثاقب والفكر الوقاد. لقد ذكرني عنوان الكتاب الذين وضعه الامام عبدالغني الازدي بالمتوارين العرب والمسلمين، اولئك الذين يتوارون عن مجتمعاتهم هروبا بفكرة أو رأي او نصيحة الى ارض الله الواسعة. ونحن لا نزال نتابع هذه الايام اخبار ايقاف بعض اصدقائنا الجامعيين السوريين بسبب نقل او نشاط فكري بعد ان بزغ فجر ديمقراطي مبشر بالخير في عهد الرئيس بشار الاسد، وهو من الجيل المثقف الواعي الذي يؤمن بالمسار الديمقراطي كصمام امان ضروري للمجتمع، وقد تتابعت منذ امساكه بدفة الحكم مبادرات المصالحة الوطنية السورية، في مناخ المنتديات الديمقراطية التي تسعى للمشاركة في التوجه السوري العام نحو المزيد من المكاسب في اطار ما كان اعلنه الرئيس بشار نفسه حين تكلم عن شرعية الاختلاف بل عن ضرورته لتبادل الرأي والاتفاق على نهج قويم. وبالطبع فان المتوارين العرب لا يتوارون دائما لأسباب سياسية، فكثير من علمائنا في مجالات الذرة والفيزياء والفضاء والطب والرياضيات والاتصال والادب، تواروا عن انظارنا وزهدوا في مجتمعاتهم طلبا للحرية الاكاديمية وبحثا عن المختبرات والمعامل والتمويلات التي شحت بها حكومتنا وجامعاتنا ومراكزنا البحثية، حيث لم توفق الى سن سياسات علمية جريئة ومدعومة تفتح ابواب النبوغ والتفوق لابنائنا المتميزين. واقع مختلف ولذلك فنحن نرى ونشهد يوميا تفاقم ظاهرة هجرة الادمغة نحو امريكا والاتحاد الاوروبي وحتى اليابان، في حين تكفلت مجتمعاتنا العربية والاسلامية بتكوين هذه النخب وتعليمها وصرف الأموال عليها، حتى اذا استوى عودها توارت نحو عوالم ارحب من الحرية العلمية والتجهيزات المعملية واتاحة التخصصات الدقيقة. وقد ذكرت في عديد من المناسبات والمحاضرات تجربة ذلك الشاب المالي (من جمهورية مالي الافريقية المسلمة) واسمه محمد شيخ ديارا الذي نبغ في الرياضيات في مدارس العاصمة «باماكو» ورحلته سفارة فرنسا الى باريس ليواصل تعليمه في الرياضيات ثم فطنت له أواسط الثمانينيات هيئة «ناسا» الفضائية الامريكية، فانتدبته في عملية شبيهة بالاختطاف الذكي الشرعي وجلبته الى امريكا ليشتغل لحساب البرنامج الفضائي الامريكي حتى وصل عام 1992 وما بعدها الى منصب رئيس فريق الرياضيات الفضائية في برنامج «باثفايندر» اي تلك السيارة العجيبة التي وضعوها على سطح المريخ الكوكب الاحمر لتصول وتجول بين الصخور المريخية وتجمع التراب والحجارة، يحركها من مركز «ناسا» محمد شيخ ديارا الشاب الافريقي المسلم الملتزم بدينه والقائم بصلواته. وكان بفضله للأمة الاسلامية دورها في تحريك سيارة باثفايندر على سطح كوكب المريخ. ولا يزال ذلك الشاب وأمثاله يعدون بالآلاف في مختلف مراكز الريادة العلمية هنا وهناك بأمريكا والاتحاد الأوروبي. هؤلاء المتوارون العرب والمسلمون هم اسعد حالا وأوفر حظا من زملائهم المتوارين الذين راحوا ذات صباح الى المجهول ولم يعد يسمع عنهم اهلهم أي خبر، في متعرجات التحولات السياسية القاسية العنيفة التي هزت عالمنا العربي والاسلامي منذ عصر الحجاج الى عصرنا الراهن. يا ليت العرب وهم يدخلون عصر ثورة الاتصالات يراجعون كثيرا من هذه المظاهر المؤلمة، حتى تكون العولمة بالنسبة لهم طالع سعد واقتحام لعصر الحريات والحقوق في ظل دول عادلة مستقرة. ـ أستاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر