لولا ان باكستان الاسلامية تملكت لنفسها قوة نووية لما ارتدعت الهند الهندوسية، رغم ان الترسانة العسكرية التقليدية للهند والبنية البشرية لقواتها المسلحة تبلغ اضعاف ما لدى باكستان. مثل هذا التطور الذي طرأ على الصراع الباكستاني الهندي هو بالضبط ما ظلت الولايات المتحدة واسرائيل تحولان دون حدوثه على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي ببعده الاسلامي، وهذا ما يفسر لنا التصعيد الدبلوماسي والاعلامي للحكومتين الامريكية والاسرائيلية بشأن البرنامج النووي الايراني ذلك التصعيد الذي بلغ ذروة جديدة الاسبوع الماضي بزيارة ارييل شارون الى روسيا لمطالبة موسكو مجددا بوقف تعاونها في تطوير محطة بوشهر النووية في ايران. ان البرنامج النووي الاسرائيلي هو الاقدم في منطقة الشرق الاوسط وغرب اسيا وقد ظل من اهم مفردات التحالف الاستراتيجي الثابت بين اسرائيل والولايات المتحدة المحافظة على بقاء الاحتكار النووي للدولة اليهودية في المنطقة ضمانا لتفوقها على الجميع، بحيث لايسمح بظهور قوة نووية منافسة بطول وعرض المنطقة الممتدة من الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط وحتى الحدود الصينية، وهكذا منذ ان انشأت اسرائيل برنامجها النووي في خمسينيات القرن الماضي ظل هاجسها الاكبر هو «القنبلة الاسلامية» كناية عن احتمال تمكن دولة اسلامية من تملك السلاح النووي. واذا كانت اسرائيل متخوفة اليوم من اكتمال البرنامج النووي الباكستاني والمشروع النووي الايراني، فان العراق هي الدولة الاسلامية الاولى التي تملكت مفاعلا نوويا. عند نهاية السبعينيات كان المفاعل النووي العراقي المقام قرب بغداد بعد ان أشترى من فرنسا على وشك البدء في انتاج قنابل نووية واستشعارا لهذا الخطر الجسيم شنت اسرائيل غارة جوية كبيرة شاركت فيها 15 طائرة من طراز اف ـ 16 الامريكية الصنع وتم تدمير المفاعل تماما وجاء نظام عقوبات الامم المتحدة التي فرضت على العراق نتيجة للغزو العراقي للاراضي الكويتية في مطلع التسعينيات وما اشتمل عليه من قرارات لتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية، ليتيح فرصة تاريخية للولايات المتحدة عبر الشرعية الدولية للقضاء المبرم على ما تبقى من المشروع النووي العراقي.لكن خلال عقد التسعينيات نفسه كانت باكستان قد استكملت برنامجها النووي وقطعت ايران شوطا في انشاء محطة بوشهر النووية الاول بعون صيني والثاني بعون روسي وقبلهما كانت الهند قد اجرت اول تفجير نووي تجريبي. وهكذا اختلت المعادلة الامنية الاسرائيلية القائمة على الاحتكار النووي في منطقة الشرق الاوسط وغرب اسيا على ان اسرائيل اذ تخشى القوة النووية لكل من ايران وباكستان فانه ليس لها من سبب للتخوف من القوة النووية الهندية فالهند، مثل اسرائيل، جزيرة غير اسلامية وسط محيط اسلامي، ولهذا فان الاستراتيجية الدبلوماسية والاستخباراتية الامريكية تجاه المنطقة تتركز ضد ايران وباكستان، مع تجاهل للبرنامج النووي الهندي يكاد يبلغ درجة التشجيع. فكيف تكون صورة المستقبل من منظور الامن الاسرائيلي اذن؟ ان اسرائيل تخشى البرنامج النووي الايراني ـ رغم عدم اكتماله ـ لكن تخوفها من البرنامج الباكستاني اقل نسبيا رغم اكتماله. فبينما تدرك اسرائيل ان الطموح النووي الايراني يستند الى اجندة سياسية موجهة مستقبليا ضد الوجود الاسرائيلي، فانها تدرك في الوقت نفسه ان الهاجس الباكستاني الاعظم محصور في الخطر الهندي. ولكن ماذا لو تولت السلطة مستقبليا في باكستان جماعة او جماعات ذات اجندة اسلامية راديكالية ترى في الهند واسرائيل وجهين لعملة واحدة؟!